(فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ)
أَيْ عَلَامَاتٌ وَاضِحَاتٌ مِنْهَا: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْحَجَرُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ، وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَهُوَ: مِنْ حِجَارَةِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يَشْهَدُ لِمَنْ مَسَّهُ.
وَالْحَطِيمُ، وَزَمْزَمُ، وَأَمْنُ الْخَائِفِ وَهَيْبَتُهُ وَتَعْظِيمُهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَأَمْرُ الْفِيلِ، وَرَمْيُ طَيْرِ اللَّهِ عَنْهُ بِحِجَارَةِ السِّجِّيلِ، وَكَفُّ الْجَبَابِرَةِ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، وَإِذْعَانُ نُفُوسِ الْعَرَبِ لِتَوْقِيرِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ دُونَ نَاهٍ وَلَا زَاجِرٍ، وَجِبَايَةُ الْأَرْزَاقِ إِلَيْهِ، وَهُوَ «بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ» وَحِمَايَتُهُ مِنَ السُّيُولِ. وَدَلَالَةُ عُمُومِ الْمَطَرِ إِيَّاهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ عَلَى خِصْبِ آفَاقِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ الْمَطَرُ مِنْ جَانِبٍ أَخْصَبَ الْأُفُقُ الَّذِي يَلِيهِ.
وَذَكَرَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ مِنْ آيَاتِهِ كَوْنَ الطَّيْرِ لَا يعلوم عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالطَّيْرُ تُعَايَنُ تَعْلُوِّهِ، وَقَدْ عَلَتْهُ الْعُقَابُ الَّتِي أَخَذَتِ الْحَيَّةَ الْمُشْرِفَةَ عَلَى جِدَارِهِ، وَتِلْكَ كَانَتْ مِنْ آيَاتِهِ انْتَهَى.
وَتَعْجِيلُ الْعُقُوبَةِ لِمَنْ عَتَا فِيهِ، وَإِجَابَةُ دُعَاءِ مَنْ دَعَا تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَمُضَاعَفَةُ أَجْرِ الْمُصَلِّي، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) الضَّمِيرُ فِي فِيهِ عَائِدٌ عَلَى الْبَيْتِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُذْكَرَ مِنَ الْآيَاتِ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْبَيْتِ. لَكِنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِي الظَّرْفِيَّةِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ الْآيَاتِ تَكُونُ دَاخِلَ الْجُدْرَانِ.
وَوَجْهُ التَّوَسُّعِ أَنَّ الْبَيْتَ وُضِعَ بِحَرَمِهِ وَجَمِيعِ فَضَائِلِهِ، فَهِيَ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَلِذَلِكَ عَدَّ الْمُفَسِّرُونَ آيَاتٍ فِي الْحَرَمِ وَأَشْيَاءَ مِمَّا الْتُزِمَتْ فِي شَرِيعَتِنَا مِنْ: تَحْرِيمِ قَطْعِ شَجَرِهِ، وَمَنْعِ الِاصْطِيَادِ فِيهِ. وَالَّذِي تَعَرَّضَتْ لَهُ الْآيَةُ هُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ آيَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ وَقْتَ رَفْعِهِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ طَالَ لَهُ الْبِنَاءُ، فَكُلَّمَا عَلَا الْجِدَارُ ارْتَفَعَ الْحَجَرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، فَمَا زَالَ يَبْنِي وَهُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِ وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ حَتَّى كَمُلَ الْجِدَارُ.
ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ إِبْقَاءَ ذَلِكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ لَيَّنَ الْحَجَرَ فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَمَا إِبْرَاهِيمَ كَأَنَّهَا فِي طِينٍ، فَذَلِكَ الْأَثَرُ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ.
وَقَدْ نَقَلَتْ كَافَّةُ الْعَرَبِ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى مُرُورِ الْأَعْصَارِ.
وَقَالَ فِي ذَلِكَ أبو طالب:
وموطئ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٍ ... عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
فَمَا حُفِظَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ نَازَعَ فِي هَذَا الْقَوْلِ.
وَقِيلَ: سَبَبُ أَثَرِ قَدَمَيْهِ فِي هَذَا الْحَجَرِ أَنَّهُ وَافَى مَكَّةَ زَائِرًا مِنَ الشَّامِ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ: انْزِلْ. حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَأَبَى أَنْ يَنْزِلَ، فَجَاءَتْ بِهَذَا الْحَجَرِ مِنْ جِهَةِ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عليه حتى غسلت شِقَّ رَأْسِهِ، ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ حَتَّى غَسَلَتِ الشِّقَّ الْآخَرَ، فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمَيْهِ فِيهِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: (آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) عَلَى الْجَمْعِ.
وَقَرَأَ أُبَيٌّ وعمرو ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ «آيَةٌ بَيِّنَةٌ» عَلَى التَّوْحِيدِ. فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ أَعْرَبُوا مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ بَدَلًا، وَهُوَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ، مِنْ قَوْلِهِ: (آيَاتٌ) وَأَعْرَبُوهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أَيْ هُنَّ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ. وَعَلَى مَا أَعْرَبُوهُ فَكَيْفَ يُبْدَلُ الْمُفْرَدُ مِنَ الْجَمْعِ، أَوْ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ الْجَمْعِ؟ وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُجْعَلَ وَحْدَهُ بِمَنْزِلَةِ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ لِظُهُورِ شَأْنِهِ وَقُوَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَنُبُوَّةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ تَأْثِيرِ قَدَمِهِ فِي حَجَرٍ صَلْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا.
وَالثَّانِي: اشْتِمَالُهُ عَلَى آيَاتٍ، لِأَنَّ أَثَرَ الْقَدَمِ فِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ آيَةٌ، وَغَوْصَهُ فِيهَا إِلَى الْكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وَإِلَانَةَ بَعْضِ الصَّخْرَةِ دُونَ بعض آية، وإبقاؤه دُونَ سَائِرِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ لآية لِإِبْرَاهِيمَ خَاصَّةً، وَحِفْظَهُ مَعَ كَثْرَةِ أَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَلَاحِدَةِ أُلُوفَ سِنِينٍ آيَةٌ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ فِيهِ «آيات بينات مقام إبراهيم» وَأَمْنُ مَنْ دَخَلَهُ، لِأَنَّ الْآيَتَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الْجَمْعِ كَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمُتَرَجِّحُ عِنْدِي أَنَّ الْمَقَامَ وَأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلَا مِثَالًا مِمَّا فِي حَرَمِ اللَّهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَخُصَّا بِالذِّكْرِ لِعِظَمِهِمَا، وَأَنَّهُمَا تَقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ عَلَى الْكُفَّارِ إِذْ هُمْ مُدْرِكُونَ لِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِحَوَاسِّهِمْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ الْحَجَرُ الْمَعْرُوفُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْتُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ بَنَاهُ، وَقَامَ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: مَكَّةُ كُلُّهَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْحَرَمُ كُلُّهُ. وَالْحَرَمُ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ إِلَى مُنْتَهَى التَّنْعِيمِ، وَمِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ يُقَالُ لَهُ الْمَقْطَعُ، وَمِمَّا يَلِي عَرَفَةَ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ إِلَى مُنْتَهَى الْحُدَيْبِيَةِ.
(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)
وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَأْكِيدِ فَرْضِ الْحَجِّ، إِذْ جَاءَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلِلَّهِ) فَيُشْعِرُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ تَعَالَى، وَجَاءَ بـ (على) الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِعْلَاءِ، وَجَاءَ مُتَعَلّقًا بِالنَّاسِ بِلَفْظِ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْخُصُوصَ لِيَكُونَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّشْدِيدِ. فَمِنْهَا قَوْلُهُ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) يَعْنِي أَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلَّهِ فِي رِقَابِ النَّاسِ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْ أَدَائِهِ وَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ ذَكَرَ النَّاسَ ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهُ (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وَفِيهِ ضَرْبَانِ مِنَ التَّأْكِيدِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِبْدَالَ تَنْبِيهٌ لِلْمُرَادِ وَتَكْرِيرٌ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِيضَاحَ بَعْدَ الْإِبْهَامِ وَالتَّفْصِيلَ بَعْدَ الْإِجْمَالِ إِيرَادٌ لَهُ فِي صُورَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ حَسَنٌ.