أَثْبَتَ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ مَا نَفَاهُ فِي حَقِّ الْمُحْسِنِينَ، فَدَلَّ لِأَجْلِ الْمُقَابَلَةِ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُسِيئُونَ، وَأَيُّ إِسَاءَةٍ أَعْظَمُ مِنَ النِّفَاقِ وَالتَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ وَالرَّغْبَةِ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَتْ (إِنَّمَا) لِلْحُصْرِ، إِنَّمَا هِيَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّوْكِيدِ، وَالْمَعْنَى:
إِنَّمَا السَّبِيلُ فِي اللَّائِمَةِ وَالْعُقُوبَةِ وَالْإِثْمِ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهِ لِغِنَاهُمْ، وَكَانَ خَبَرُ السَّبِيلُ عَلَى وَإِنْ كَانَ قَدْ فُصِلَ بـ (إلى) كَمَا قَالَتْ:
هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبُهَا ... أَمْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ
لِأَنَّ عَلَى تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْلَاءِ وَقِلَّةِ مَنَعَةِ مَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ لَا سَبِيلَ لِي عَلَى زَيْدٍ، وَلَا سَبِيلَ لِي إِلَى زَيْدٍ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُنَافِقِينَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ: عَبْدِ الله بن أبي، والجد بن قيس، ومعتب بن قشير، وغيرهم.
و (رضوا) اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا بَالُهُمْ اسْتَأْذَنُوا فِي الْقُعُودِ بِالْمَدِينَةِ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ، فَقِيلَ: رَضُوا بِالدَّنَاءَةِ وَانْتِظَامِهِمْ فِي سِلْكِ الْخَوَالِفِ.
وَعُطِفَ (وَطَبَعَ) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي تَخَلُّفِهِمْ رضاهم بالدناءة، وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْجِهَادِ مِنْ مَنَافِعَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.