فهرس الكتاب

الصفحة 3753 من 4059

{قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ(13)قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ(14)}

ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهُمْ يَعْقُوبُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَاجِلٌ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْحُزْنِ لِمُفَارَقَتِهِ وَكَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ.

وَالثَّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إِنْ غَفَلُوا عَنْهُ بِرِعْيِهِمْ وَلَعِبِهِمْ، أَوْ بِقِلَّةِ اهْتِمَامِهِمْ بِحِفْظِهِ وَعِنَايَتِهِمْ، فَيَأْكُلُهُ وَيَحْزَنُ عَلَيْهِ الْحُزْنَ الْمُؤَبَّدَ.

وَخَصَّ الذِّئْبَ لِأَنَّهُ كَانَ السَّبُعَ الْغَالِبَ عَلَى قُطْرِهِ، أَوْ لِصِغَرِ يُوسُفَ فَخَافَ عَلَيْهِ هَذَا السَّبُعَ الْحَقِيرَ، وَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى خَوْفِهِ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَعْظَمُ افْتِرِاسًا. وَلِحَقَارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الْفَزَارِيُّ فِي كَوْنِهِ يَخْشَاهُ لَمَّا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ فِي قَوْلِهِ:

وَالذِّئْبُ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا

وَكَانَ يَعْقُوبُ بِقَوْلِهِ: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) لَقَّنَهُمْ مَا يَقُولُونَ مِنَ الْعُذْرِ إذا جَاءُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ يُوسُفُ، فَلُقِّنُوا ذَلِكَ وَجَعَلُوهُ عُدَّةً لِلْجَوَابِ، وَتَقَدَّمَ خِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي (يَحْزَنُ) .

وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ هُرْمُزَ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ: (لَيَحْزُنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، والجمهور بالفك.

و (ليحزنني) مُضَارِعٌ مُسْتَقْبَلٌ لَا حَالٌ، لِأَنَّ الْمُضَارِعَ إِذَا أُسْنِدَ إِلَى مُتَوَقَّعٍ تَخَلَّصَ لِلِاسْتِقْبَالِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُتَوَقَّعَ مُسْتَقْبَلٌ وَهُوَ الْمُسَبِّبُ لِأَثَرِهِ، فَمُحَالُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْأَثَرُ عَلَيْهِ، فَالذَّهَابُ لَمْ يَقَعْ، فَالْحُزْنُ لَمْ يَقَعْ. كَمَا قَالَ:

يُهُولُكَ أَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ مُلْغٍ ... لِمَا فِيهِ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ

وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (تُذْهَبُوا بِهِ) مِنْ أَذْهَبَ رُبَاعِيًّا، وَيُخَرَّجُ عَلَى زِيَادَةِ الْبَاءِ فِي (بِهِ) كَمَا خَرَّجَ بَعْضُهُمْ (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) . فِي قِرَاءَةِ مَنْ ضَمَّ التَّاءَ وَكَسَرَ الْبَاءَ أَيْ: تُنْبِتُ الدُّهْنَ وتذهبوه.

وقرأ الجمهور: والذئب بالهمز، وهي لغة الحجز.

وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ، وَوَرْشٌ، وَحَمْزَةُ: إِذَا

وَقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

وَقَالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ وَلَا يَهْمِزُ. وَعَدَلَ إِخْوَةُ يُوسُفَ عَنْ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ حُزْنُهُ عَلَى ذَهَابِهِمْ بِهِ لِقِصَرِ مُدَّةِ الْحُزْنِ، وَإِيهَامِهِمْ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ بِهِ إِلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، وَعَدَلُوا إِلَى قَضِيَّةِ الذِّئْبِ وَهُوَ السَّبَبُ الْأَقْوَى فِي مَنْعِهِ أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ لَئِنْ كَانَ مَا خَافَهُ مِنْ خَطْفَةِ الذِّئْبِ أَخَاهُمْ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَحَالُهُمْ أَنَّهُمْ عَشَرَةُ رِجَالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الْأُمُورُ وَتُكْفَى الْخُطُوبُ، إِنَّهُمْ إِذًا لَقَوْمٌ خَاسِرُونَ أي: هالكون ضعفاء وجورا وَعَجْزًا، أَوْ مُسْتَحِقُّونَ أَنْ يَهْلِكُوا، لِأَنَّهُمْ لَا غِنَى عِنْدَهِمْ وَلَا جَدْوَى فِي حَيَاتِهِمْ، أَوْ مُسْتَحِقُّونَ بِأَنْ يُدْعَى عَلَيْهِمْ بِالْخَسَارِ وَالدَّمَارِ، وَأَنْ يُقَالَ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ وَدَمَّرَهُمْ حِينَ أَكَلَ الذِّئْبُ بَعْضَهُمْ وَهُمْ حَاضِرُونَ.

وَقِيلَ: إِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى حِفْظِ بَعْضِنَا فَقَدْ هَلَكَتْ مَوَاشِينَا، إِذًا وَخَسِرْنَا.

وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، وَكَانَ يُوسُفُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَإِذَا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئَابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ يُرِدْنَ أَكْلَهُ، فَدَرَأَ عَنْهُ وَاحِدٌ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الْأَرْضُ فَتَوَارَى يُوسُفُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت