الْقَصَصِ: مَصْدَرُ قَصَّ، وَاسْمُ مَفْعُولٍ إِمَّا لِتَسْمِيَتِهِ بِالْمَصْدَرِ، وَإِمَّا لِكَوْنِ الْفِعْلِ يَكُونُ لِلْمَفْعُولِ، كَالْقَبْضِ وَالنَّقْصِ.
وَالْقَصَصُ هُنَا يَحْتَمِلُ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ. فَإِنْ كَانَ الْمَصْدَرَ فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ أَحْسَنَ أَنَّهُ اقْتُصَّ عَلَى أَبْدَعِ طَرِيقَةٍ، وَأَحْسَنِ أُسْلُوبٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُقْتَصٌّ فِي كُتُبِ الْأَوَّلِينَ، وَفِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ، وَلَا تَرَى اقْتِصَاصَهُ فِي كِتَابٍ مِنْهَا مُقَارِبًا لِاقْتِصَاصِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولَ فَكَانَ أَحْسَنَهُ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالنُّكَتِ والعجائب التي ليس فِي غَيْرِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَحْسَنُ مَا يُقَصُّ فِي بَابِهِ كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ، يراد في فنه.
وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِانْفِرَادِهَا عَنْ سَائِرِهَا بِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالصَّالِحِينَ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالشَّيَاطِينِ، وَالْجِنِّ، وَالْإِنْسِ، وَالْأَنْعَامِ، وَالطَّيْرِ، وَسِيَرِ الْمُلُوكِ، وَالْمَمَالِكِ، وَالتُّجَّارِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ وَكَيْدِهِنَّ وَمَكْرِهِنَّ، مَعَ مَا فِيهَا مِنَ ذِكْرِ التَّوْحِيدِ، وَالْفِقْهِ، وَالسِّيَرِ، وَالسِّيَاسَةِ، وَحُسْنِ الْمِلْكَةِ، وَالْعَفْوِ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ، وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، وَالْحِيَلِ، وَتَدْبِيرِ الْمَعَاشِ، وَالْمَعَادِ، وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ، فِي الْعِفَّةِ، وَالْجِهَادِ، وَالْخَلَاصِ مِنَ الْمَرْهُوبِ إِلَى الْمَرْغُوبِ، وَذِكْرِ الْحَبِيبِ وَالْمَحْبُوبِ، وَمَرْأَى السِّنِينَ وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، وَالْعَجَائِبِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَقِيلَ: كَانَتْ أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِيهَا كَانَ مَآلُهُ إِلَى السَّعَادَةِ.
انْظُرْ إِلَى يُوسُفَ وَأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ والملك أسلم بيوسف وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. وَمُعَبِّرِ الرُّؤْيَا السَّاقِي، وَالشَّاهِدِ فِيمَا يُقَالُ.
وَقِيلَ: أَحْسُنُ هُنَا لَيْسَتْ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، بَلْ هِيَ بِمَعْنَى حَسَنٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: حَسَنَ الْقَصَصِ، مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ أي: القصص الحسن. و (ما) في (بما أَوْحَيْنَا) مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: بِإِيحَائِنَا. وَإِذَا كَانَ الْقَصَصُ مَصْدَرًا فَمَفْعُولُ نَقُصُّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى هُوَ هَذَا الْقُرْآنَ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِعْمَالِ، إِذْ تَنَازَعَهُ (نَقُصُّ) و (أوحينا) فَأُعْمِلَ الثَّانِي عَلَى الْأَكْثَرِ، وَالضَّمِيرُ فِي (مِنْ قَبْلِهِ) يَعُودُ عَلَى الْإِيحَاءِ.
وَتَقَدَّمَتْ مَذَاهِبُ النُّحَاةِ فِي (إنِ) الْمُخَفَّفَةِ وَمَجِيءِ اللَّامِ فِي ثاني الجزءين.
وَمَعْنَى (مِنَ الْغَافِلِينَ) لَمْ يَكُنْ لَكَ شُعُورٌ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَا سَبَقَ لَكَ عِلْمٌ فِيهَا، وَلَا طَرَقَ سَمْعَكَ طَرَفٌ مِنْهَا.