فهرس الكتاب

الصفحة 2184 من 4059

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)}

وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ أَيْ: فَلَا يَتَأَمَّلُونَ مَا نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الْوَحْيِ وَلَا يُعْرِضُونَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ فِي تَدَبُّرِهِ يَظْهَرُ بُرْهَانُهُ وَيَسْطَعُ نُورُهُ وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَتَأَمَّلْهُ.

(وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا)

الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُضْمَرَ فِي (فِيهِ) عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَهَذَا فِي عِلْمِ الْبَيَانِ الِاحْتِجَاجُ النَّظَرِيُّ، وَقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ الْمَذْهَبَ الْكَلَامِيَّ.

وَوَجْهُ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُتَكَلِّمٍ كَلَامًا طَوِيلًا إِلَّا وُجِدَ فِي كَلَامِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، إِمَّا في الْوَصْفِ وَاللَّفْظِ، وَإِمَّا فِي الْمَعْنَى بِتَنَاقُضِ أَخْبَارٍ، أَوِ الْوُقُوعِ عَلَى خِلَافِ الْمُخْبَرِ بِهِ، أَوِ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا لَا يَلْتَئِمُ، أَوْ كَوْنِهِ يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ. وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَلَامُ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ مُنَاسِبٌ بَلَاغَةً مُعْجِزَةً فَائِتَةً لِقُوَى البلغاء، وتظافر صِدْقِ أَخْبَارٍ، وَصِحَّةِ مَعَانٍ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْعَالِمُ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإِنْ عَرَضَتْ لِأَحَدٍ شُبْهَةٌ وَظَنَّ اخْتِلَافًا فَالْوَاجِبُ أَنْ يَتَّهِمَ نَظَرَهُ، وَيَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ الْمُعَانِدِينَ مِنْ أَنَّ فِيهِ أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً وَأَلْفَاظًا غَيْرَ مُؤْتَلِفَةٍ فَقَدْ أَبْطَلَ مَقَالَتَهُمْ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ، وَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ اخْتِلَافٍ فِي تَفْسِيرٍ وَتَأْوِيلٍ وَقِرَاءَةٍ وَنَاسِخٍ وَمَنْسُوخٍ وَمُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ وَعَامٍّ وَخَاصٍّ وَمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ فَلَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ فِي الْآيَةِ، بَلْ هَذِهِ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ الدَّالَّةِ عَلَى اتِّسَاعِ مَعَانِيهِ، وَأَحْكَامِ مَبَانِيهِ.

وَذَهَبَ الزَّجَّاجُ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرُ فِي (فِيهِ) عَائِدٌ عَلَى مَا يُخْبِرُهُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا يُبَيِّتُونَ وَيُسِرُّونَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ تُخْبِرُهُمْ بِهِ عَلَى حَدِّ مَا يَقَعُ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ غَيْبٌ مِنَ الْغُيُوبِ.

وَفِي ذِكْرِ تُدَبِّرُ الْقُرْآنِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ الرَّافِضَةِ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ إِلَّا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلّم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت