فهرس الكتاب

الصفحة 1959 من 4059

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا(3)}

ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي أَوْلِيَاءِ الْيَتَامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ جَمَالُ وَلِيَّاتِهِمْ فَيُرِيدُونَ أَنْ يَبْخَسُوهُمْ فِي الْمَهْرِ لمكان ولايتهم عليهن. فقيل لَهُمْ: أَقْسِطُوا فِي مُهُورِهِنَّ، فَمَنْ خَافَ أَنْ لَا يُقْسِطَ فَلْيَتَزَوَّجْ مَا طَابَ لَهُ مِنَ الْأَجْنَبِيَّاتِ اللَّوَاتِي يُمَاكَسْنَ فِي حُقُوقِهِنَّ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ يَتَزَوَّجُ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الْعَشَرَةَ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ، فَإِذَا ضَاقَ مَالُهُ مَالَ عَلَى مَالِ يَتِيمِهِ فَيَتَزَوَّجُ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ خِفْتُمْ عَجْزَ أَمْوَالِكُمْ حَتَّى تَجُورُوا فِي الْيَتَامَى فَاقْتَصِرُوا.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَتَحَرَّجُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَلَا تَتَحَرَّجُ فِي الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ، يَتَزَوَّجُونَ الْعَشَرَةَ فَأَكْثَرَ، فَنَزَلَتْ في ذلك أي: كما تخافون أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَكَذَلِكَ فَتَحَرَّجُوا فِي النِّسَاءِ، وَانْكِحُوا عَلَى هَذَا الْحَدِّ الَّذِي يَبْعُدُ الْجَوْرُ عَنْهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّمَا الْآيَةُ تَحْذِيرٌ مِنَ الزِّنَا وزجر عنه، أي كَمَا تَتَحَرَّجُونَ فِي مَالِ الْيَتَامَى فَكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَا، وَانْكِحُوا عَلَى مَا حُدَّ لَكُمْ. وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ غَيْرِ الْأَوَّلِ لَا يَخْتَصُّ الْيَتَامَى بِإِنَاثٍ وَلَا ذُكُورٍ، وَعَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْإِنَاثِ كَأَنَّهُ قِيلَ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ.

وَمَعْنَى: خِفْتُمْ حَذِرْتُمْ، وَهُوَ عَلَى مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ الْخَوْفَ هُوَ الْحَذَرُ.

قَالَ الرَّاغِبُ: الْخَوْفُ يُقَالُ فِيمَا فِيهِ رَجَاءٌ مَا، وَلِهَذَا لَا يُقَالُ: خِفْتُ أَنْ لَا أَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ السَّمَاءِ، أَوْ نَسْفِ الْجِبَالِ انْتَهَى.

وَمَعْنَى أن لا تقسطوا أي: أن لا تَعْدِلُوا. أَيْ: وَإِنْ خِفْتُمُ الْجَوْرَ وَأَقْسَطَ: بِمَعْنَى عَدَلَ.

وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ وَابْنُ وَثَّابٍ تَقْسِطُوا بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ قَسَطَ، وَالْمَشْهُورُ فِي قَسَطَ أَنَّهُ بِمَعْنَى جَارَ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: وَيُقَالُ قَسَطَ بِمَعْنَى أَقْسَطَ أَيْ عَدَلَ. فَإِنْ حُمِلَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى مَشْهُورِ اللُّغَةِ كَانَتْ (لَا) زَائِدَةً، أَيْ: وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ تُقْسِطُوا أَيْ: أَنْ تَجُورُوا لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَتِمُّ إِلَّا بِاعْتِقَادِ زِيَادَتِهَا. وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى أَنْ تُقْسِطُوا بِمَعْنَى تُقْسِطُوا، كَانَتْ لِلنَّفْيِ كَمَا فِي تُقْسِطُوا.

وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: مَنْ طَابَ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مَا طَابَ. فَقِيلَ: مَا بِمَعْنَى مَنْ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يُجَوِّزُ وُقُوعُ مَا عَلَى آحَادِ الْعُقَلَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ.

وَقِيلَ: عَبَّرَ بـ (ما) عَنِ النِّسَاءِ، لِأَنَّ إِنَاثَ الْعُقَلَاءِ لِنُقْصَانِ عُقُولِهِنَّ يَجْرِينَ مَجْرَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ.

وَقِيلَ: (ما) واقعة على النوع، أَيْ: فَانْكِحُوا النَّوْعَ الَّذِي طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَا تَقَعُ عَلَى أَنْوَاعِ مَنْ يَعْقِلُ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: (ما) لِتَعْمِيمِ الْجِنْسِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ

الْقَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.

وَقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ.

وَالْمَعْنَى: فَانْكِحُوا النِّكَاحَ الَّذِي طَابَ لَكُمْ.

وَقِيلَ: (ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أَيْ: فَانْكِحُوا جِنْسًا أَوْ عَدَدًا يَطِيبُ لَكُمْ.

وَقِيلَ: (ما) ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: مُدَّةَ طِيبِ النِّكَاحِ لَكُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت