هَذِهِ السُّورَةُ فِي قَصَصِهَا شَبِيهَةٌ بسورة الأعراف بدئ فيها بنوح، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصَالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثم بشعيب، ثم بموسى وَهَارُونَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وَفَوَائِدَ لِتَكْرَارِ هَذِهِ الْقَصَصِ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَ النَّحْوِيَّانِ وَابْنُ كَثِيرٍ: (أَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: بأبي، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِهَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي قِرَاءَةِ الْفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُخَاطَبَةِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَإِنَّمَا هِيَ حِكَايَةُ مُخَاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ مِنْ غَيْبَةٍ إِلَى مُخَاطَبَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ إِنْ أَنْذِرْهُمْ أَوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذلك انتهى.
و (أن لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا فِي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَ (أَنْ) بَدَلٌ مِنْ أي لَكُمْ فِي قِرَاءَةِ مَنْ فَتَحَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (أَنِ) الْمُفَسِّرَةَ.
وَأَمَّا فِي قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُفَسِّرَةَ، وَالْمُرَاعَى قَبْلَهَا: إِمَّا أَرْسَلْنَا وَإِمَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأَرْسَلْنَا أَيْ: بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَإِسْنَادُ الْأَلَمِ إِلَى الْيَوْمِ مَجَازٌ لِوُقُوعِ الْأَلَمِ فيه لَا بِهِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) فَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْعَذَابُ؟
(قُلْتُ) مَجَازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأَنَّ الْأَلِيمَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُعَذِّبُ، وَنَظِيرُهُمَا قَوْلُكُ: نَهَارُهُ صَائِمٌ انْتَهَى.
وَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَلِيمٍ صِفَةَ مُبَالَغَةٍ مِنْ أَلِمَ، وَهُوَ مَنْ كَثُرَ أَلَمُهُ. فَإِنْ كَانَ أَلِيمٍ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجَازٌ، وَلِلْعَذَابِ حَقِيقَةٌ.