فهرس الكتاب

الصفحة 2811 من 4059

{وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ(100)}

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ بَاهِرِ قُدْرَتِهِ وَمُتْقَنِ صَنْعَتِهِ وَامْتِنَانِهِ عَلَى عَالَمِ الْإِنْسَانِ بِمَا أَوْجَدَ لَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي قِوَامِ حَيَاتِهِ، وبين ذلك الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ولِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ مَا عَامَلُوا بِهِ مُنْشِئَهُمْ مِنَ الْعَدَمِ وَمُوجِدَ أَرْزَاقِهِمْ مِنْ إِشْرَاكِ غَيْرِهِ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، وَنِسْبَةِ مَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ مِنْ وَصْفِهِ بِسِمَاتِ الْحُدُوثِ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَإِبْلِيسُ خَالِقُ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالسِّبَاعِ وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ الْمَجُوسِ قَالُوا: لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ إِلَهٌ قَدِيمٌ، وَالثَّانِي: شَيْطَانٌ حَادِثٌ مِنْ فِكْرَةِ الْإِلَهِ الْقَدِيمِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِطِيَّةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَائِطٍ زَعَمُوا أَنَّ لِلْعَالَمِ صَانِعَيْنِ الْإِلَهُ الْقَدِيمُ وَالْآخَرُ مُحْدَثٌ خَلَقَهُ اللَّهُ أَوَّلًا ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ تَدْبِيرَ الْعَالَمِ، وَهُوَ الَّذِي يُحَاسِبُ الْخَلْقَ فِي الْآخِرَةِ وَالضَّمِيرُ فِي وَجَعَلُوا عَائِدٌ عَلَى الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ وَأَهْلُ كِتَابٍ.

وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنَّصَارَى قَالَتْ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَالْيَهُودُ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَطَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعَالَى بَنَاتٍ الْمَلَائِكَةَ وَبَنُو مُدْلِجٍ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَاهَرَ الْجِنَّ فَوَلَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَائِفَةً يُسَمَّوْنَ الْجِنَّ وَإِبْلِيسُ مِنْهُمْ وَهُمْ خَدَمُ الْجَنَّةِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذِهِ الطَّوَائِفُ كُلُّهَا أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَاعْتَقَدُوا الْإِلَهِيَّةَ فِيمَنْ لَيْسَتْ لَهُ، فَجَعَلُوهُمْ شُرَكَاءَ لِلَّهِ فِي الْعِبَادَةِ وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ أَنْفُسَهُمْ، وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ مُخَالِفٌ لِهَذَا الظَّاهِرِ، إِذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الشُّرَكَاءَ هِيَ الْأَوْثَانُ وَأَنَّهُ جَعَلَتْ طَاعَةَ الشَّيْطَانِ تَشْرِيكًا لَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ كَانَ التَّشْرِيكُ نَاشِئًا عَنْ أَمْرِهِ وَإِغْوَائِهِ وَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيلُ الضَّرِيرُ: أَرَادَ بِالْجِنِّ إِبْلِيسَ أَمَرَهُمْ فَأَطَاعُوهُ، وَظَاهِرُ لَفْظِ الْجِنِّ أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَبَادَرُ إِلَيْهِمُ الذِّهْنُ مِنْ أَنَّهُمْ قَسِيمُ الْإِنْسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)

وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا الملائكة لقوله: (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) فَالْآيَةُ مُشِيرَةٌ إِلَى الَّذِينَ جَعَلُوا الْجِنَّ شُرَكَاءَ لِلَّهِ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُمْ وَأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، وَكَانَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَتَسْتَجِيرُ بِجِنِّ الْأَوْدِيَةِ فِي أَسْفَارِهَا.

وَالْجُمْهُورُ عَلَى نَصْبِ الْجِنَّ وَأَعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ مَفْعُولًا أَوَّلًا بِجَعَلُوا وَجَعَلُوا بمعنى صيروا وشُرَكاءَ مَفْعُولٌ ثَانٍ ولِلَّهِ مُتَعَلّقٌ بِشُرَكَاءَ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإِنْ قُلْتَ) فَمَا فَائِدَةُ التَّقْدِيمِ؟

(قُلْتُ) فَائِدَتُهُ اسْتِعْظَامُ أَنْ يُتَّخَذَ لِلَّهِ شَرِيكٌ مَنْ كَانَ مَلَكًا أَوْ جِنِّيًّا أَوْ إِنْسِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الشُّرَكَاءِ انْتَهَى.

وَالضَّمِيرُ فِي (وَخَلَقَهُمْ) عَائِدٌ عَلَى الْجَاعِلِينَ إِذْ هُمُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُمْ وَهِيَ جُمْلَةً حَالِيَّةً أَيْ وَقَدْ خَلَقَهُمْ وَانْفَرَدَ بِإِيجَادِهِمْ دُونَ مَنِ اتَّخَذَهُ شَرِيكًا لَهُ وَهُمُ الْجِنُّ فَجَعَلُوا مَنْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ شَرِيكًا لِخَالِقِهِمْ وَهَذِهِ غَايَةُ الْجَهَالَةِ.

وَقِيلَ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْجِنِّ أَيْ وَاللَّهُ خَلَقَ مَنِ اتَّخَذُوهُ شَرِيكًا لَهُ فَهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي أَنَّ الْجَاعِلَ وَالْمَجْعُولَ مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ فَكَيْفَ يُنَاسِبُ أَنْ يُجْعَلَ بَعْضُ الْمَخْلُوقِ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى؟

وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ (وَخَلْقَهُمْ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَذَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى الْجِنِّ أَيْ وَجَعَلُوا خَلْقَهُمُ الَّذِي يَنْحِتُونَهُ أَصْنَامًا شُرَكَاءَ لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) فَالْخَلْقُ هُنَا وَاقِعٌ عَلَى الْمَعْمُولِ الْمَصْنُوعِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ.

قَالَ: هُنَا مَعْنَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَ وَخَلَقَهُمْ أَيِ اخْتِلَاقَهُمُ الْإِفْكَ يَعْنِي وَجَعَلُوا لِلَّهِ خَلْقَهُمْ حَيْثُ نَسَبُوا قَبَائِحَهُمْ إِلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِمْ وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا انْتَهَى.

فَالْخَلْقُ هُنَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِاخْتِلَاقِ.

(وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ)

أَيِ اخْتَلَقُوا وَافْتَرَوْا، وَيُقَالُ خَرَقَ الْإِفْكَ وَخَلَقَهُ وَاخْتَلَقَهُ وَاخْتَرَقَهُ واقتلعه وافتراه وخرصه إذ كَذَبَ فِيهِ قَالَهُ الْفَرَّاءُ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَرَقَ الثَّوْبَ إِذَا شَقَّهُ أَيِ اشْتَقُّوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ: خَرَقُوا كَذَبُوا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (بَنِينَ) إِلَى أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فِي الْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ، وَبَناتٍ إِلَى قُرَيْشٍ فِي الْمَلَائِكَةِ.

وَقَرَأَ نَافِعٌ (وَخَرَّقُوا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِهَا.

وَقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحَرَفُوا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَشَدَّدَ ابْنُ عُمَرَ الرَّاءَ وَخَفَّفَهَا ابن عباس بمعنى وزورا لَهُ أَوْلَادًا لِأَنَّ الْمُزَوِّرَ مُحَرِّفٌ مُغَيِّرٌ لِلْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَمَعْنَى بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ مَا قَالُوهُ مَنْ خطاب وَصَوَابٍ، وَلَكِنْ رَمْيًا بِقَوْلٍ عَنْ عَمَى وَجَهَالَةٍ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَرَوِيَّةٍ وَفِيهِ نَصٌّ عَلَى قُبْحِ تُقَحُّمِهِمُ المجهلة وافترائهم الباطل.

(سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ)

نَزَّهَ ذَاتَهُ عَنْ تَجْوِيزِ الْمُسْتَحِيلَاتِ عَلَيْهِ وَالتَّعَالِي هُنَا هُوَ الِارْتِفَاعُ الْمَجَازِيُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مُتَقَدِّسٌ فِي ذَاتِهِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.

قِيلَ: وَبَيْنَ (سُبْحانَهُ) وَ (تَعالى) فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سُبْحَانَ مُضَافٌ إِلَيْهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مُنَزَّهٌ (وتَعالى) فِيهِ إِسْنَادُ التَّعَالِي إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الْفَاعِلِيَّةِ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى صِفَاتِ الذَّاتِ سَوَاءً سَبَّحَهُ أَحَدٌ أَمْ لَمْ يُسَبِّحْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت