فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 4059

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)}

(فَتابَ عَلَيْهِ)

أَيُّ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَأَفْرَدَهُ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مُشَارِكَةً لَهُ فِي الْأَمْرِ بِالسُّكْنَى وَالنَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِ الشَّجَرَةِ وَتَلَقِّي الْكَلِمَاتِ وَالتَّوْبَةِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُوَاجَهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهِيَ تَابِعَةٌ لَهُ فِي ذَلِكَ. فَكَمُلَتِ الْقِصَّةُ بِذِكْرِهِ وَحْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخِضْرِ، إِذْ جَاءَ حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فحملاهما بِغَيْرِ نَوْلٍ، وَكَانَ مَعَ مُوسَى يُوشَعُ، لَكِنَّهُ كَانَ تَابِعًا لِمُوسَى فَلَمْ يُذْكُرْهُ وَلَمْ يُجْمَعْ مَعَهُمَا فِي الضَّمِيرِ، أَوِ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، إِذْ كَانَ فِعْلُهُمَا وَاحِدًا، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) ، أَوْ طَوَى ذَكَرَهَا كَمَا طَوَاهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَعْصِيَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) .

وَقَدْ جَاءَ طَيُّ ذِكْرِ النِّسَاءِ فِي أَكْثَرَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي قَوْلِهِ: (قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) ، وَإِنَّمَا لَمْ يُرَاعِ هَذَا السَّتْرَ فِي امْرَأَتَيْ نوح ولوط لأنهما كانتا كَافِرَتَيْنِ، وَقَدْ ضَرَبَ بِهِمَا الْمَثَلَ لِلْكُفَّارِ، لِأَنَّ ذُنُوبَهُمَا كَانَتْ غَايَةً فِي الْقُبْحِ وَالْفُحْشِ.

وَالْكَافِرُ لَا يُنَاسِبُ السَّتْرَ عَلَيْهِ وَلَا الْإِغْضَاءَ عَنْ ذَنْبِهِ، بَلْ يُنَادِي عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَخْزَى له وأحط

لِدَرَجَتِهِ.

وَحَوَّاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ مَعْصِيَتَهُمَا تَكَرَّرَتْ وَاسْتَمَرَّ مِنْهُمَا الْكُفْرُ وَالْإِصْرَارُ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّوْبَةُ مُتَعَذِّرَةٌ لِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمَا لَا يَتُوبَانِ، وَلَيْسَتْ حَوَّاءُ كَذَلِكَ لِخِفَّةِ مَا وَقَعَ مِنْهَا، أَوْ لِرُجُوعِهَا إِلَى رَبِّهَا، وَلِأَنَّ التَّبْكِيتَ لِلْمُذْنِبِ شَرْعُ رَجَاءِ الْإِقْلَاعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْقُودٌ فِيهِمَا، وَذِكْرُهُمَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى زَوْجَيْهِمَا فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ مَا لَا يَكُونُ فِي ذِكْرِ اسْمَيْهِمَا غَيْرَ مُضَافَيْنِ إِلَيْهِمَا.

وَتَوْبَةُ الْعَبْدِ: رُجُوعُهُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَتَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ: رُجُوعُهُ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ وَالرَّحْمَةِ.

(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

وَأَعْقَبَ الصِّفَةَ الْأَوْلَى بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، لِأَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ سَبَبُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وَتَقَدُّمُ التَّوَّابِ لِمُنَاسَبَةِ فَتَابَ عَلَيْهِ، وَلِحُسْنِ خَتْمِ الْفَاصِلَةِ بِقَوْلِهِ: (الرَّحِيمُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت