فهرس الكتاب

الصفحة 1195 من 4059

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) }

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ تَعَالَى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) وَلَمْ يَقُلْ: يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ، وَلْتَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالُوا: مَعْنَاهُ وَعَشْرَ لَيَالٍ، وَلِذَلِكَ حَذَفَ التَّاءَ وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْمُرَادُ عَشْرُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا، فَيَدْخُلُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ.

قِيلَ: وغلب حكم الليالي إِذِ اللَّيَالِي أَسْبَقُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَالْأَيَّامَ فِي ضِمْنِهَا، وَعَشْرٌ أَخَفُّ فِي اللَّفْظِ، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا إِلَّا بِانْقِضَاءِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَحَمُّ: لَيْسَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْعِدَّةِ، بَلْ تَنْقَضِي بِتَمَامِ عَشْرِ لَيَالٍ.

وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ناسخة لِمَا بَعْدَهَا مِنَ الِاعْتِدَادِ بِالْحَوْلِ، وَهَذَا مِنْ غَرَائِبِ النَّسْخِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ الثَّانِيَ يَنْسَخُ الْأَوَّلَ.

وَقِيلَ: إِنَّ الْحَوْلَ لَمْ يُنْسَخْ، وَإِنَّمَا هُوَ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، بَلْ هُوَ عَلَى النَّدْبِ، فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أَقَلُّ مَا تَعْتَدُّ بِهِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَالْحَوْلُ هُوَ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ.

وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ فِي هَذَا نَسْخٌ، وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَانٌ مِنَ الْحَوْلِ: كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ لَمَّا نَقَصَتْ مِنَ الْأَرْبَعِ إلى الاثنتين لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ كَانَ تَخْفِيفًا.

قَالُوا: وَاخْتُصَّ هَذَا الْعَدَدُ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا اسْتِبْرَاءً لِلْحَمْلِ

فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَكُونُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَزَادَ اللَّهُ الْعَشْرَ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِظُهُورِ حَرَكَةِ الْجَنِينِ، أَوْ مُرَاعَاةً لِنَقْصِ الشُّهُورِ وَكَمَالِهَا، أَوِ اسْتِظْهَارًا لِسُرْعَةِ ظُهُورِ الْحَرَكَةِ أَوْ بطئها فِي الْجَنِينِ» .

قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا زِيدَتِ الْعَشْرُ لِأَنَّ نَفْخَ الرُّوحِ يَكُونُ فِيهَا، وَظُهُورَ الْحَمَلِ فِي الْغَالِبِ.

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ولد كل حامل يَرْكُضُ فِي نِصْفِ حَمْلِهِ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: ذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ الْوَلَدَ فِي الْأَكْثَرِ، إِذَا كَانَ ذَكَرًا يَتَحَرَّكُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَإِذَا كَانَ أُنْثَى بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ عَشْرًا اسْتِظْهَارًا.

قَالَ: وَخُصَّتِ الْعَشْرَةُ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهَا أَكْمَلَ الْأَعْدَادِ وَأَشْرَفَهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) .

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: لَمَّا كَانَ حَقُّ الْمَيِّتِ أَعْظَمَ، لِأَنَّ فِرَاقَهُ لَمْ يَكُنْ بِالِاخْتِيَارِ، كَانَتْ مُدَّةُ وَفَاتِهِ أَطْوَلَ، وَفِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ سَنَةً، ثُمَّ رُدَّتْ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وعشرة أيام

لِتَخْفِيفِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ عَنْ مَاءِ الزَّوْجِ، ثُمَّ إِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ أُبِيحَ لَهَا التَّزَوُّجُ بِزَوْجٍ آخَرَ، إِذِ الْمَوْتُ لَا يَسْتَدِيمُ مُوَافَاةً إِلَى آخِرِ عُمْرِ أَحَدٍ. كَمَا قِيلَ:

وَكَمَا تَبْلَى وُجُوهٌ فِي الثَّرَى ... فَكَذَا يَبْلَى عَلَيْهِنَّ الْحَزَنْ

(فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)

بُلُوغُ أَجَلِهِنَّ هُوَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ في التربص، والمخاطبون: بعليكم، الْأَوْلِيَاءُ، أَوِ الْأَئِمَّةُ وَالْحُكَّامُ وَالْعُلَمَاءُ، إِذْ هُمُ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي الْوَقَائِعِ، أَوْ عَامَّةُ الْمُؤْمِنِينَ. أَقْوَالٌ، وَرَفَعَ الْجُنَاحَ عَنِ الرِّجَالِ فِي بُلُوغِ النِّسَاءِ أَجَلَهُنَّ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِنَّ، وَيَأْخُذُونَهُنَّ بِأَحْكَامِ الْعَدَدِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ إِذْ ذَاكَ يَسُوغُ لَهُمْ نِكَاحُهُنَّ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ حَرَامًا، فَزَالَ الْجُنَاحُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.

وَالَّذِي فَعَلْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ: النِّكَاحُ الْحَلَالُ، أَوِ: الطِّيبُ، وَالتَّزَيُّنُ، وَالنَّقْلَةُ مِنْ مَسْكَنٍ إِلَى مَسْكَنٍ، وَمَعْنَى: بِالْمَعْرُوفِ أَيْ:

بِالْإِشْهَادِ.

وَقِيلَ: مَا أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ النِّكَاحُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْخُطَّابِ، بِالْمَعْرُوفِ: بِالْوَجْهِ الَّذِي لَا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ، وَالْمَعْنَى:

أَنَّهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ مَا هُوَ مُنْكَرٌ كَانَ عَلَى الْأَئِمَّةِ أَنْ يَكُفُّوهُنَّ، وَإِنْ فَرَّطُوا كَانَ عَلَيْهِمُ الْجُنَاحُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ حَسَنٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت