فهرس الكتاب

الصفحة 2421 من 4059

{قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(25)}

لَمَّا عَصَوْا أَمْرَ اللَّهِ وَتَمَرَّدُوا عَلَى مُوسَى وَسَمِعَ مِنْهُمْ مَا سَمِعَ مِنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَسُوءِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ إِلَّا هَارُونَ قَالَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنَ الْكَلَامِ الْمُنْطَوِي صَاحِبُهُ عَلَى الِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ وَالشَّكْوَى إِلَيْهِ، وَرِقَّةِ الْقَلْبِ الَّتِي تَسْتَجْلِبُ الرَّحْمَةَ وَتَسْتَنْزِلُ النُّصْرَةَ وَنَحْوُهُ قَوْلُ يعقوب: (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)

وَالظَّاهِرُ أَنَّ (وَأَخِي) مَعْطُوفٌ عَلَى (نَفْسِي) وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ (وَأَخِي) مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ أَيْ: وَأَخِي لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ، فَيَكُونُ قَدْ عَطَفَ جُمْلَةً غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ مُؤَكَّدَةٍ، أَوْ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ أَيْ: وَإِنَّ أَخِي لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَيَكُونُ قَدْ عُطِفَ الِاسْمُ وَالْخَبَرُ عَلَى الْخَبَرِ.

وَكَأَنَّهُ فِي هَذَا الْحَصْرِ لَمْ يَثِقْ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَى ثَبَاتِهِمَا لِمَا عَايَنَ من أحوال قَوْمِهِ وَتَلَوُّنِهِمْ مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ، فَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا النَّبِيَّ الْمَعْصُومَ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِي ثَبَاتِهِ.

قِيلَ: أَوْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الضجر عند ما سَمِعَ مِنْهُمْ تَعْلِيلًا لِمَنْ يُوَافِقُهُ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَأَخِي) مَنْ يُوَافِقُنِي فِي الدِّينِ لَا هَارُونَ خَاصَّةً.

(فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ)

ظَاهِرُهُ أَنَّهُ دَعَا بِأَنْ يُفَرِّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُمْ بِأَنْ يَفْقِدَ وُجُوهَهُمْ وَلَا يُشَاهِدَ صُوَرَهُمْ إِذَا كَانُوا عَاصِينَ لَهُ مُخَالِفِينَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُسَّقِ.

فَالْمُطِيعُ لَا يُرِيدُ صُحْبَةَ الْفَاسِقِ وَلَا يُؤْثِرُهَا لِئَلَّا يُصِيبَهُ بِالصُّحْبَةِ مَا يُصِيبُهُ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً «أَنَهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ» وَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فَلَمْ يَكُونَا مَعَهُمْ فِي التِّيهِ، بَلْ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، لِأَنَّ التِّيهَ كَانَ عِقَابًا خُصَّ بِهِ الْفَاسِقُونَ الْعَاصُونَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمَا: الْمَعْنَى فَافْصِلْ بَيْنَنَا بِحُكْمٍ يُزِيلُ هَذَا الِاخْتِلَافَ وَيَلُمُّ الشَّعَثَ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَكُونَ مَنْزِلَةُ الْمُطِيعِ مُفَارَقَةً لِمَنْزِلَةِ الْعَاصِي الْفَاسِقِ.

وَالْفَاسِقُونَ هُنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعَاصُونَ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْكَاذِبُونَ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَافِرُونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت