فهرس الكتاب

الصفحة 4010 من 4059

{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) }

وَ (سَوَّيْتُهُ) أَكْمَلْتُ خَلْقَهُ، وَالتَّسْوِيَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِتْقَانِ، وَجَعْلِ أَجْزَائِهِ مُسْتَوِيَةً فِيمَا خُلِقَتْ.

(وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) أَيْ: خَلَقْتُ الْحَيَاةَ فِيهِ، وَلَا نَفْخَ هُنَاكَ، وَلَا مَنْفُوخَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ لِتَحْصِيلِ مَا يحيي بِهِ فِيهِ.

وَأَضَافَ الرُّوحَ إِلَيْهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ نَحْوَ: بَيْتُ اللَّهِ، وَنَاقَةُ اللَّهِ، أَوْ الْمِلْكُ إِذْ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ في الإنشاء للروح، ولمودعها حَيْثُ يَشَاءُ.

و (قَعُوا لَهُ) أَيِ: اسْقُطُوا عَلَى الْأَرْضِ. وَحَرْفُ الْجَرِّ مَحْذُوفٌ مِنْ (أَنْ) أَيْ: مَا لَكَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ. وَأَيُّ: دَاعٍ دَعَا بِكَ إلى إبائك السجود.

ولأسجد اللَّامُ لَامُ الْجُحُودِ، وَالْمَعْنَى: لَا يُنَاسِبُ حَالِي السُّجُودَ لَهُ.

وَفِي الْبَقَرَةِ نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَانِعَةِ لَهُ وَهِيَ الِاسْتِكْبَارُ أَيْ: رَأَى نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يَسْجُدَ.

وَفِي الْأَعْرَافِ صَرَّحَ بِجِهَةِ الِاسْتِكْبَارِ، وَهِيَ ادِّعَاءُ الْخَيْرِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ بِادِّعَاءِ الْمَادَّةِ الْمَخْلُوقِ مِنْهَا كُلٌّ مِنْهُمَا.

وَهُنَا نَبَّهَ عَلَى مَادَّةِ آدَمَ وَحْدَهُ، وَهُنَا (فَاخْرُجْ مِنْهَا) وَفِي الْأَعْرَافِ: (فَاهْبِطْ مِنْها) وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (مِنْهَا) .

وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مِنْهَا مَبَاحِثُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْأَعْرَافِ، أَعَادَهَا الْمُفَسِّرُونَ هُنَا، وَنَحْنُ نُحِيلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إِلَّا مَا لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِهَذِهِ السُّورَةِ فَنَحْنُ نَذْكُرُهُ.

فَنَقُولُ: وَضَرَبَ يَوْمَ الدِّينِ غَايَةً لِلَّعْنَةِ، إِمَّا لأنه أبعد غاية يضربها النَّاسُ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّكَ مَذْمُومٌ مَدْعُوٌّ عَلَيْكَ بِاللَّعْنَةِ فِي السماوات وَالْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعَذَّبَ، فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ عُذِّبْتَ بِمَا يُنْسِي اللَّعْنَ مَعَهُ. وَيَوْمُ الدِّينِ، وَيَوْمُ يبعثون، ويوم الوقت المعلوم، وَاحِدٌ. وَهُوَ وَقْتُ النَّفْخَةِ الْأَوْلَى حَتَّى تَمُوتَ الْخَلَائِقُ.

وَوُصِفَ بِالْمَعْلُومِ إِمَّا لِانْفِرَادِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ كَمَا قَالَ: (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) أَوْ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ فَنَاءُ الْعَالَمِ فِيهِ، فَيَكُونُ قَدْ عَبَّرَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَبِيَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَيَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، بِمَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت