{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) }
(وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (وَبِالْوَالِدَيْنِ) وَكَانَ تَقْدِيمُ الْوَالِدَيْنِ لِأَنَّهُمَا آكَدُ فِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى الْعَامِلِ اعْتِنَاءً بِمُتَعَلّقِ الْحَرْفِ، وَهُمَا الْوَالِدَانِ، وَاهْتِمَامًا بِأَمْرِهِمَا.
وَجَاءَ هَذَا التَّرْتِيبُ اعْتِنَاءً بِالْأَوْكَدِ. فَبَدَأَ بِالْوَالِدَيْنِ، إِذْ لَا يَخْفَى تَقَدُّمُهُمَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ بِذِي الْقُرْبَى، لِأَنَّ صِلَةَ الْأَرْحَامِ مُؤَكَّدَةٌ أَيْضًا، وَلِمُشَارَكَتِهِ الْوَالِدَيْنِ فِي الْقَرَابَةِ، ثُمَّ بِالْيَتَامَى، لِأَنَّهُمْ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ تَامَّةٌ عَلَى الِاكْتِسَابِ،
وَقَدْ جَاءَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ»
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ، ثُمَّ بِالْمَسَاكِينِ لِمَا فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ مِنَ الثَّوَابِ.
وَتَأَخَّرَتْ دَرَجَةُ الْمَسَاكِينِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِالِاسْتِخْدَامِ، وَيُصْلِحَ مَعِيشَتَهُ، بِخِلَافِ الْيَتَامَى، فَإِنَّهُمْ لِصِغَرِهِمْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِمْ، وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُمْ.
وَأَوَّلُ هَذِهِ التَّكَالِيفِ هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ، ثُمَّ الْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ إِلَى ذِي الْقُرْبَى، ثُمَّ إِلَى الْيَتَامَى، ثُمَّ إِلَى الْمَسَاكِينِ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ تَكَالِيفَ تَجْمَعُ عِبَادَةَ اللَّهِ، وَالْحَضَّ عَلَى الْإِحْسَانِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالْمُوَاسَاةَ لِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَأَفْرَدَ ذَا الْقُرْبَى، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ، وَلِأَنَّ إِضَافَتَهُ إِلَى الْمَصْدَرِ يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ ذِي قَرَابَةٍ.
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
لَمَّا ذَكَرَ بَعْدَ عِبَادَةِ اللَّهِ الْإِحْسَانَ لِمَنْ ذَكَرَ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْمَطْلُوبِ فِيهِ الْفِعْلُ مِنَ الصِّلَةِ وَالْإِطْعَامِ وَالِافْتِقَادِ، أَعْقَبَ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ، لِيَجْمَعَ الْمَأْخُوذُ عَلَيْهِ الْمِيثَاقُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، فَقَالَ تَعَالَى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) .
وَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ سَهْلَ الْمَرَامِ، إذ هو بذل لَفْظٍ، لَا مَالٍ، كَانَ مُتَعَلّقُهُ بِالنَّاسِ عُمُومًا إِذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ بِالْقَوْلِ الطَّيِّبِ.
(لطيفة)
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: التَّعَبُّدُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ حَاصِلٌ لَنَا فِي شَرْعِنَا، وَأَوَّلُهَا التَّوْحِيدُ، وَهُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، ثُمَّ رَدَّكَ إِلَى مُرَاعَاةِ حَقِّ مِثْلِكَ، إِظْهَارًا أَنَّ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِصُحْبَةِ شَخْصٍ مِثْلِهِ، كَيْفَ يَقُومُ بِحَقِّ مَعْبُودٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟ فَإِذَا كَانَتِ التَّرْبِيَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ حُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ تُوجِبُ عَظِيمَ هَذَا الْحَقِّ، فَمَا حَقُّ تَرْبِيَةِ سَيِّدِكَ لَكَ؟ كَيْفَ تُؤَدِّي شُكْرَهُ؟
ثُمَّ ذَكَرَ عُمُومَ رَحْمَتِهِ لِذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَأَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ حُسْنًا. وَحَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ الصِّدْقُ مَعَ الْحَقِّ، وَالرِّفْقُ مَعَ الْخَلْقِ. انْتَهَى.
وَبَعْضُهُ مُخْتَصَرٌ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَاتِ: الْأَسْبَابُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ. فَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) عَلَى مَقَامِ التَّوْحِيدِ، وَاعْتِقَادِ مَا يَجِبُ لَهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْخُضُوعِ مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ، وَمَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَهِيَ: الزَّكَاةُ، وَبَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَهِيَ: الصَّلَاةُ، وَبَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ وَهُوَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ.