وَبِنَاءُ (كُتِبَ) لِلْمَفْعُولِ فِي هَذِهِ الْمَكْتُوبَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَحَذْفُ الْفَاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذ هُوَ: اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهَا مَشَاقٌّ صَعْبَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، فَنَاسَبَ أَنْ لَا تُنْسَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي كَتَبَهَا، وَحِينَ يَكُونُ الْمَكْتُوبُ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ رَاحَةٌ وَاسْتِبْشَارٌ يُبْنَى الْفِعْلُ لِلْفَاعِلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ) وَهَذَا مِنْ لَطِيفِ عِلْمِ الْبَيَانِ.
أَمَّا بِنَاءُ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) فَنَاسَبَ لِاسْتِعْصَاءِ الْيَهُودِ وَكَثْرَةِ مُخَالَفَاتِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ بِخِلَافِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ لِافْتِرَاقِ الْمُخَاطَبِينَ، وَنَادَى الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ إِعْلَامِهِمْ بِهَذَا الْمَكْتُوبِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ الصِّيَامُ لِيُنَبِّهَهُمْ عَلَى اسْتِمَاعِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِمْ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى نِدَاءٍ فِي الْمَكْتُوبِ الثَّانِي لِانْسِلَاكِهِ مَعَ الْأَوَّلِ فِي نِظَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: حُضُورُ الْمَوْتِ بِقِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَبَايَنَ هَذَا التَّكْلِيفُ الثَّالِثُ مِنْهَا، وَقَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ التَّرْتِيبِ الْعَرَبِيِّ بِعَكْسِ ذَلِكَ، نَحْوَ: ضُرِبَ زَيْدٌ بِسَوْطٍ، لِأَنَّ مَا احْتِيجَ فِي تَعَدِّي الْفِعْلِ إِلَيْهِ إِلَى وَاسِطَةٍ دُونَ مَا تَعَدَّى إِلَيْهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِذِكْرِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ من ذكر
المكتوب لتعلق الكتب لمن نُودِيَ، فَتَعْلَمُ نَفْسُهُ أَوَّلًا أَنَّ الْمُنَادَى هُوَ الْمُكَلَّفُ، فَيَرْتَقِبُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا كُلِّفَ بِهِ.
وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الصِّيَامُ، لِلْعَهْدِ إِنْ كَانَتْ قَدْ سَبَقَتْ تَعَبُّدَاتُهُمْ بِهِ، أَوْ لِلْجِنْسِ إِنْ كَانَتْ لَمْ تَسْبِقْ.
وَجَاءَ هَذَا الْمَصْدَرُ عَلَى فِعَالٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْبِنَائَيْنِ الْكَثِيرَيْنِ فِي مَصْدَرِ هَذَا النَّوْعِ من الفعل، وهو فعل الْوَاوِيُّ الْعَيْنِ، الصَّحِيحُ الْآخِرُ، وَالْبِنَاءَانِ هُمَا فُعُولٌ وَفِعَالٌ، وَعَدَلَ عَنِ الْفُعُولِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَ لِاسْتِثْقَالِ الْوَاوَيْنِ، وَقَدْ جَاءَ مِنْهُ شَيْءٌ على الأصل: كالفؤور، وَلِثِقَلِ اجْتِمَاعِ الْوَاوَيْنِ هَمَزَ بعضهم فقال: الفؤور.
(فائدة)
قَالَ الرَّاغِبُ: لِلصَّوْمِ فَائِدَتَانِ رِيَاضَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَنْ مَا تَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى قَدْرِ الْوُسْعِ. انْتَهَى.
وَحِكْمَةُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ شَاقَّةٌ، فَإِذَا ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ مَفْرُوضًا عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ سَهُلَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ.
(تَتَّقُونَ)
أَيْ: سَبَبُ فَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ هُوَ رَجَاءُ حُصُولِ التَّقْوَى لَكُمْ، فَقِيلَ: الْمَعْنَى تَدْخُلُونَ فِي زُمْرَةِ الْمُتَّقِينَ، لِأَنَّ الصَّوْمَ شِعَارُهُمْ.
وَقِيلَ: تَجْعَلُونَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ وِقَايَةً بِتَرْكِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ الصَّوْمَ لِإِضْعَافِ الشَّهْوَةِ وَرَدْعِهَا، كَمَا
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ» .
وَقِيلَ: تَتَّقُونَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالْجِمَاعَ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الصَّوْمِ.
وَقِيلَ: تَتَّقُونَ الْمَعَاصِيَ، لِأَنَّ الصَّوْمَ يكف عن كثير ما تَشَوَّقُ إِلَيْهِ النَّفْسُ.
وَقِيلَ: تَتَّقُونَ مَحْظُورَاتِ الصَّوْمِ.