لَمَّا ذَكَرَ أَحْوَالَ الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِعَمَلِ مَنْ آمَنَ فَيَرْحَمُهُمْ بِهِ، وَيَخْتَصُّ بِعَمَلِ مَنْ كَفَرَ فَيُعَذِّبُهُمْ، نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ هُوَ فِيمَا يَمْلِكُهُ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ تَعَالَى. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى اتِّسَاعِ مُلْكِهِ وَمَرْجِعُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الظُّلْمِ، لِأَنَّ الظُّلْمَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ عَنِ الظَّالِمِ.
(فصل)
قَالُوا وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الطِّبَاقَ: فِي تَبْيَضُّ وَتَسْوَدُّ، وَفِي اسْوَدَّتْ وَابْيَضَّتْ، وَفِي أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وَفِي بِالْحَقِّ وُظُلْمًا. وَالتَّفْصِيلَ: فِي فَأَمَّا وَأَمَّا. وَالتَّجْنِيسَ: الْمُمَاثِلَ فِي أَكَفَرْتُمْ وَتَكْفُرُونَ. وَتَأْكِيدَ الْمُظْهَرِ بِالْمُضْمَرِ فِي: فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
وَالتَّكْرَارَ: فِي لَفْظِ اللَّهِ. وَمُحَسِّنُهُ: أَنَّهُ فِي جُمَلٍ مُتَغَايِرَةِ الْمَعْنَى، وَالْمَعْرُوفُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْجُمَلُ أَعَادَتِ الْمُظْهَرَ لَا الْمُضْمَرَ، لِأَنَّ فِي ذِكْرِهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ.
لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ
لِاتِّحَادِ الْجُمْلَةِ. لَكِنَّهُ قَدْ يُؤْتَى فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ بِالْمُظْهَرِ قَصْدًا لِلتَّفْخِيمِ.
وَالْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ: (تِلْكَ) وَتَلْوِينَ الْخِطَابِ فِي فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ، وَالتَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ فِي تَبْيَضُّ وَتَسْوَدُّ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّلَاقَةِ وَالْكَآبَةِ وَالْحَذْفَ فِي مَوَاضِعَ.