فهرس الكتاب

الصفحة 3840 من 4059

{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ(94)قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ(95)}

فَصَلَ مِنَ الْبَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا انْفَصَلَ مِنْهُ وَجَاوَزَ حِيطَانَهُ، وَهُوَ لَازِمٌ. وَفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا فَرَّقَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ.

وَمَعْنَى فَصَلَتِ الْعِيرُ: انْفَصَلَتْ مِنْ عَرِيشِ مِصْرَ قَاصِدَةً مَكَانَ يَعْقُوبَ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

وَقِيلَ: بِالْجَزِيرَةِ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ آثَارَهُمْ وَقُبُورَهُمْ هُنَاكَ إِلَى الْآنِ.

وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَلَمَّا انْفَصَلَ الْعِيرُ) .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، هَاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ عَرْفَهُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مِنْ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا، وَكَانَ مُدَّةُ فِرَاقِهِ مِنْهُ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً.

وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا: وَجَدَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَعَنْهُ: مَسِيرَةُ عَشْرِ لَيَالٍ.

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْمَهْرَوِيِّ: أَنَّ الرِّيحَ اسْتَأْذَنَتْ فِي إِيصَالِ عَرْفِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ، فَأُذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَفَّقَتِ الرِّيحُ الْقَمِيصَ فَرَاحَتْ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَاتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ.

وَمَعْنَى (لَأَجِدُ) لَأَشُمُّ فَهُوَ وُجُودُ حَاسَّةِ الشَّمِّ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَإِنِّي لَأَسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمَامَةٍ ... يَهُبُّ بِهَا مِنْ نَحْوِ أَرْضِكِ رِيحُ

وَمَعْنَى (تُفَنِّدُونِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: تُسَفِّهُونِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: تُجَهِّلُونِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: تُضَعِّفُونِ.

وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ: تُكَذِّبُونِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: تُهْرِمُونِ.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ، وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ أَيْضًا: تَقُولُونَ ذَهَبَ عَقْلُكَ وَخَرِفْتَ.

وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: تُقَبِّحُونِ.

وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: تُعَجِّزُونِ. وقال أبو عبيد: تُضَلِّلُونِ.

وَقِيلَ: تُخَطِّئُونِ.

وَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَهِيَ رَاجِعَةٌ لِاعْتِقَادِ فَسَادِ رَأْيِ الْمُفَنِّدِ إِمَّا لِجَهْلِهِ، أَوْ لِهَوًى غَالِبٍ عَلَيْهِ، أَوْ لِكَذِبِهِ، أَوْ لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ لِذَهَابِ عَقْلِهِ بِهَرَمِهِ.

وَقَالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ: يقال شج مفند أي: قد فسد رَأْيَهُ، وَلَا يُقَالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ قَطُّ أَصِيلٌ فَيَدْخُلُهُ التَّفْنِيدُ.

وَقَالَ مَعْنَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَالَ: التَّفْنِيدُ النِّسْبَةُ إِلَى الْفَنَدِ وَهُوَ الْخَوْفُ وَإِنْكَارُ الْعَقْلِ، مِنْ هَرَمَ يُقَالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ، وَلَا يُقَالُ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي شَبِيبَتِهَا ذَاتُ رَأْيٍ فَتُفَنَّدُ في كبرها.

و (لولا) هُنَا حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْمَعْنَى لَوْلَا تَفْنِيدُكُمْ إِيَّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي انْتَهَى.

وَقَدْ يُقَالُ: تَقْدِيرُهُ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِي لَأَخْبَرْتُكُمْ بِكَوْنِهِ حَيًّا لَمْ يَمُتْ، لِأَنَّ وِجْدَانِي رِيحَهُ دَالٌّ عَلَى حَيَاتِهِ.

وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: (تُفَنِّدُونِ) الظَّاهِرُ مِنْ تَنَاسُقِ الضَّمَائِرِ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى مَنْ كَانَ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ غَيْرَ الَّذِينَ رَاحُوا يَمْتَارُونَ، إِذْ كَانَ أَوْلَادُهُ جَمَاعَةً.

وَقِيلَ: الْمُخَاطَبُ وَلَدُ وَلَدِهِ وَمَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ قَرَابَتِهِ.

وَالضَّلَالُ: هُنَا لَا يُرَادُ بِهِ ضِدُّ الْهُدَى وَالرَّشَادِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَعْنَى إِنَّكَ لَفِي خَطَئِكَ، وَكَانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ قَدْ تَجَدَّدَ بِقِصَّةِ بِنْيَامِينَ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْحُزْنَيْنِ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الشَّقَاءُ وَالْعَنَاءُ.

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الْجُنُونُ، وَيَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ غَلَبَةَ الْمَحَبَّةِ.

وَقِيلَ: الْهَلَاكُ وَالذَّهَابُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ أَيْ: ذَهَبَ فِيهِ.

وَقِيلَ: الْحُبُّ، وَيُطْلَقُ الضَّلَالُ عَلَى الْمَحَبَّةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ مِنَ الْجَفَاءِ الَّذِي لَا يَسُوغُ لَهُمْ مُوَاجَهَتُهُ بِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ: قَالُوا لِوَالِدِهِمْ كَلِمَةً غَلِيظَةً لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقُولُوهَا لِوَالِدِهِمْ، وَلَا لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَفِي ذَهَابِكَ عَنِ الصَّوَابِ قُدُمًا فِي إِفْرَاطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، ولهجك بذكره، ورجائك لقاءه، وَكَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت