قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، أَمْسَكُوا عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: كَانَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي، فَنَزَلَتْ.
وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَضَمَّنَّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ، وَدَخَلَ فِيهِمْ وَخَرَجَ، فَقَالَ النَّاسُ: أَلْقَى بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: تَأَوَّلْتُمُ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا، وَمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ قُلْنَا: لَوْ أَقَمْنَا نُصْلِحُ مَا ضَاعَ مِنْ أَمْوَالِنَا، فَنَزَلَتْ.
وَفِي تَفْسِيرِ التَّهْلُكَةِ أَقْوَالٌ.
أَحَدُهَا: تَرْكُ الْجِهَادِ وَالْإِخْلَادُ إِلَى الرَّاحَةِ وَإِصْلَاحِ الْأَمْوَالِ.
قَالَهُ أَبُو أَيُّوبَ.
الثَّانِي: تَرْكُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَوْفَ الْعَيْلَةِ.
الثَّالِثُ: التَّقَحُّمُ فِي الْعَدُوِّ بِلَا نِكَايَةٍ.
الرَّابِعُ: التَّصَدُّقُ بِالْخَبِيثِ.
الْخَامِسُ: الْإِسْرَافُ بِإِنْفَاقِ كُلِّ الْمَالِ.
قَالَ تَعَالَى (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) .
السَّادِسُ: الِانْهِمَاكُ فِي الْمَعَاصِي لِيَأْسِهِ مِنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ.
السَّابِعُ: الْقُنُوطُ مِنَ التَّوْبَةِ.
الثَّامِنُ: السَّفَرُ لِلْجِهَادِ بِغَيْرِ زَادٍ.
قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَقَدْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ فَأَدَّاهُمْ إِلَى الِانْقِطَاعِ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ إِلَى كَوْنِهِمْ عَالَةً عَلَى النَّاسِ.
التَّاسِعُ: إِحْبَاطُ الثَّوَابِ إِمَّا بِالْمَنِّ أَوِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، كَقَوْلِهِ: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَحْتَمِلُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ نُهُوا عن كل ما يؤول بِهِمْ إِلَى الْهَلَاكِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُفْضٍ إِلَى الْهَلَاكِ، وَهُوَ الْقَتْلُ، وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالْجَنَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ المتقرب بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ردّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ: أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ يحيى، فَيُقَاتِلُ فَيُقْتَلُ، أَوْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَيُقَالُ: أَلْقَى بِيَدِهِ فِي كَذَا، أو إلى كَذَا، إِذَا اسْتَسْلَمَ، لِأَنَّ الْمُسْتَسْلِمَ فِي الْقِتَالِ يُلْقِي سِلَاحَهُ بِيَدَيْهِ، وَكَذَا عَلَى كُلِّ عَاجِزٍ فِي أَيِّ فِعْلٍ كَانَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا لِلْمَوْتِ لَعَجْزٌ.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
هَذَا تَحْرِيضٌ عَلَى الْإِحْسَانِ لِأَنَّ فِيهِ إِعْلَامًا بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَنِ الْإِحْسَانُ صِفَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ لِهَذَا الْوَصْفِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ وَصْفُ الْإِحْسَانِ بِهِ دَائِمًا بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ دَائِمًا.