فهرس الكتاب

الصفحة 1552 من 4059

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(30)}

وَمَعْنَى (أَمَدًا بَعِيدًا) غَايَةٌ طَوِيلَةٌ.

وَقِيلَ: مِقْدَارُ أَجْلِهِ.

وَقِيلَ: قَدْرُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)

كَرَّرَ التَّحْذِيرَ لِلتَّوْكِيدِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُمْتَثِلِي أَمْرَهُ ونهيه.

وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ التَّخْوِيفِ وَكَرَّرَهَا، كَانَ ذَلِكَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ، وَمُنَبِّهًا عَلَى إِيقَاعِ الْمَحْذُورِ مَعَ مَا قَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ اطِّلَاعِهِ عَلَى خَفَايَا الْأَعْمَالِ وَإِحْضَارِهِ لَهَا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَهَذَا هُوَ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ اللَّذَيْنِ يَجِبُ أَنْ يُحَذِّرَ لِأَجْلِهِمَا، فَذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لِيُطْمَعَ فِي إِحْسَانِهِ، وَلِيُبْسَطَ الرَّجَاءُ فِي أَفْضَالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا إِذَا ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْأَمْرِ، ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَبْلَغَ فِي الْوَصْفِ مِنْ جُمْلَةِ التَّخْوِيفِ، لِأَنَّ جُمْلَةَ التَّخْوِيفِ جَاءَتْ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ، وَلَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، وَجَاءَ الْمُحَذَّرُ مَخْصُوصًا بِالْمُخَاطَبِ فَقَطْ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ جَاءَتِ اسْمِيَّةً، فَتَكَرَّرَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، إِذِ الْوَصْفُ مُحْتَمِلٌ ضَمِيرَهُ تَعَالَى، وَجَاءَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ الْمُقْتَضِي لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ، وَجَاءَ بِأَخَصِّ أَلْفَاظِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ: رءُوف، وَجَاءَ مُتَعَلّقُهُ عَامًّا لِيَشْمَلَ المخاطب وَغَيْرَهُ، وَبِلَفْظِ الْعِبَادِ لِيَدُلَّ عَلَى الْإِحْسَانِ التَّامِّ، لِأَنَّ الْمَالِكَ مُحْسِنٌ لِعَبْدِهِ وَنَاظِرٌ لَهُ أَحْسَنَ نَظَرٍ، إِذْ هُوَ مِلْكُهُ.

قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى التَّحْذِيرِ، أَيْ: إِنَّ تَحْذِيرَهُ نَفْسَهُ وَتَعْرِيفَهُ حَالَهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ مِنَ الرَّأْفَةِ الْعَظِيمَةِ بِالْعِبَادِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا عَرَفُوهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ وَحَذَرُوا دَعَاهُمْ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ رِضَاهُ وَاجْتِنَابِ سُخْطِهِ.

وَعَنِ الْحَسَنِ: مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنْ حَذَّرَهُمْ نَفْسَهُ.

وَقَالَ الْحُوفِيُّ: جَعَلَ تَحْذِيرَهُمْ نَفْسَهُ إِيَّاهُ، وَتَخْوِيفَهُمْ عِقَابَهُ رَأْفَةً بِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي عَمًى مِنْ أَمْرِهِمْ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا، وَالْكَلَامُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ إِعْلَامِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ وَالْإِطْمَاعِ لِئَلَّا يُفْرِطَ الْوَعِيدَ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت