{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197) }
وَجُمِعَ شَهْرٌ عَلَى أَفْعُلٍ لِأَنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ) فَإِنَّهُ جَاءَ عَلَى: فُعُولٍ، وَهُوَ جَمْعُ الْكَثْرَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ كَانَ الشَّهْرَانِ. وَبَعْضُ الشَّهْرِ أَشْهُرًا؟
قُلْتُ: اسْمُ الْجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَا وَرَاءَ الْوَاحِدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) فَلَا سُؤَالَ فِيهِ إِذَنْ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلسُّؤَالِ لَوْ قِيلَ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ معلومات. انتهى كلامه.
وَمَا ذَكَرَهُ الدَّعْوَى فِيهِ عَامَّةٌ، وَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ مَا وَرَاءَ الْوَاحِدِ، وَهَذَا فِيهِ النِّزَاعُ. وَالدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ خَاصٌّ، وَهُوَ: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلِإِطْلَاقِ الْجَمْعِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى التَّثْنِيَةِ شُرُوطٌ ذُكِرَتْ فِي النَّحْوِ.
وَ: أَشْهُرٌ، لَيْسَ مِنْ بَابِ (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ.
(فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ)
وَ: (فِيهِنَّ) مُتَعَلّقٌ بِفَرَضَ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى: أَشْهُرٌ، وَلَمْ يَقُلْ: فِيهَا، لِأَنَّ أَشْهُرًا جَمْعُ قِلَّةٍ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْكَثِيرِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْ أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ لِمَا لَا يَعْقِلُ يُجْرَى مَجْرَى الْجَمْعِ مُطْلَقًا لِلْعَاقِلَاتِ عَلَى الْكَثِيرِ الْمُسْتَعْمَلِ أَيْضًا.
وَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
(فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)
وَإِنَّمَا أَتَى فِي النَّهْيِ بِصُورَةِ النَّفْيِ إِيذَانًا بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ يَسْتَبْعِدُ الْوُقُوعَ فِي الْحَجِّ، حَتَّى كَأَنَّهُ مِمَّا لَا يُوجَدُ، وَمِمَّا لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ.
وَقَالَ فِي (الْمُنْتَخَبِ) أَيْضًا: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالرَّفَثِ الْجِمَاعُ فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ مَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْحَجِّ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ نَفْيًا لِلصِّحَّةِ مَعَ وُجُودِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ التَّحَدُّثُ مَعَ النِّسَاءِ فِي أَمْرِ الْجِمَاعِ، أَوِ الْفُحْشُ مِنَ الْكَلَامِ، فَيَكُونُ نَهْيًا لِكَمَالِ الْفَضِيلَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لَيْسَ نَفْيًا لِوُجُودِ الرَّفَثِ، بَلْ نَفْيٌ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ، فَإِنَّ الرَّفَثَ يُوجَدُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ فِيهِ، وَأَخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ النَّفْيُ إِلَى وُجُودِهِ مَشْرُوعًا، لَا إِلَى وُجُودِهِ مَحْسُوسًا، كَقَوْلِهِ: (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) وَمَعْنَاهُ مَشْرُوعًا لَا مَحْسُوسًا، فَإِنَّا نَجِدُ الْمُطَلَّقَاتِ لَا يَتَرَبَّصْنَ، فَعَادَ النَّفْيُ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا إِلَى الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ وَارِدٌ فِي الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَرْعًا، فَإِنْ وُجِدَ الْمَسُّ فَعَلَى خِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ الَّتِي فَاتَتِ الْعُلَمَاءَ، فَقَالُوا: إِنَّ الْخَبَرَ يَكُونُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ قَطُّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ، فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً، وَيَتَبَايَنَانِ وَصْفًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَرَّرَ (فِي الْحَجِّ) فَقَالَ: (فِي الْحَجِّ) وَلَمْ يَقُلْ: فِيهِ، جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي التَّأْكِيدِ فِي إِقَامَةِ الْمُظْهَرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ
انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ أَحْسَنُ لِبُعْدِهِ مِنَ الْأَوَّلِ، وَلِمَجِيئِهِ فِي جُمْلَةٍ غَيْرِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَلِإِزَالَةِ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى: مَنْ، لَا عَلَى: الْحَجِّ، أَيْ: فِي فَارِضِ الْحَجِّ.
وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ النَّهْيُ، يَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ مَنْهِيًّا عَنْهَا فِي الْحَجِّ. أَمَّا الرَّفَثُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، خَلَفًا وَسَلَفًا، أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ هُنَا الْجِمَاعُ، وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالْآيَةِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَأَنَّ مُقَدِّمَاتِهِ تُوجِبُ الدَّمَ، إِلَّا مَا
رَوَاهُ بَعْضُ الْمَجْهُولِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «لِلْمُحْرِمِ مِنِ امْرَأَتِهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ» .
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَأَمَّا الْفُسُوقُ وَالْجِدَالُ، وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُمَا فِي غَيْرِ الْحَجِّ، فَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ فِي الْحَجِّ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّ التَّلَبُّسَ بِالْمَعَاصِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ مِنَ التَّشْهِيرِ، لِفِعْلِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، أَفْحَشُ وَأَعْظَمُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا أَلَا تَرَى إِلَى
قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حَقِّ الصَّائِمِ: «فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ؟»
وَإِلَى قَوْلِهِ وَقَدْ صَرَفَ وَجْهَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ مُلَاحَظَةِ النِّسَاءِ فِي الْحَجِّ: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ، مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ؟»
وَمَعْلُومٌ خَطَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَكِنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَا فُسُوقَ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُحْدِثُ لِلْحَجِّ تَوْبَةً مِنَ الْمَعَاصِي حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
(وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)
وَخُصَّ الْخَيْرُ، وَإِنْ كَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، حَثًّا عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، وَلِأَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ ذِكْرِ فَرْضِ الْحَجِّ، وَهُوَ خَيْرٌ، وَلِأَنْ نَسْتَبْدِلَ بِتِلْكَ الْمَنْهِيَّاتِ أَضْدَادَهَا، فَنَسْتَبْدِلَ بِالرَّفَثِ الْكَلَامَ الحسن والفعل الجميل، وبالفسوق الطاعة، وبالجدال الْوِفَاقَ، وَلِأَنْ يَكْثُرَ رَجَاءُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنْ يَكُونَ وَعْدًا بِالثَّوَابِ.
وَجَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ: (يَعْلَمْهُ اللَّهُ) فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَبَّرَ عَنِ الْمُجَازَاةِ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ بِالْعِلْمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يُجَازِكُمُ اللَّهُ بِهِ، أَوْ يَكُونَ ذِكْرُ الْمُجَازَاةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْعِلْمِ، أَيْ: يَعْلَمْهُ اللَّهُ فَيُثِيبَ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ: (وَمَا تَفْعَلُوا) الْتِفَاتٌ، إِذْ هُوَ خُرُوجٌ مِنْ غَيْبَةٍ إِلَى خِطَابٍ، وَحَمْلٌ عَلَى مَعْنَى: مَنْ، إِذْ هُوَ خُرُوجٌ مِنْ إِفْرَادٍ إِلَى جَمْعٍ، وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: (تَفْعَلُوا) عَنْ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ فِعْلٍ وَقَوْلٍ وَنِيَّةٍ، إِمَّا تَغْلِيبًا لِلْفِعْلِ، وَإِمَّا إِطْلَاقًا عَلَى الْقَوْلِ، وَالِاعْتِقَادِ لَفْظَ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ، وَأَفْعَالُ اللِّسَانِ، وَأَفْعَالُ الْقَلْبِ، وَالضَّمِيرُ فِي: (يَعْلَمْهُ) عَائِدٌ عَلَى: (مَا) مِنْ قَوْلِهِ: (وَمَا تَفْعَلُوا) .