فهرس الكتاب

الصفحة 2566 من 4059

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) }

(الَّذِينَ آمَنُوا) عَامٌّ وَصَرَّحَ هُنَا بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ حُرُمًا، وَالْحُرُمُ جَمْعُ حَرَامٍ وَالْحَرَامُ الْمُحَرَّمُ وَالْكَائِنُ بِالْحَرَمِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) عَلَى مَنْعِ الْمُحْرِمِ وَالْكَائِنِ بِالْحَرَمِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ وَمَنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ.

قَالَ الْمَعْنَى يُحْرِمُونَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ.

وَقِيلَ الْمَعْنَى وَأَنْتُمْ فِي الْحَرَمِ وَالظَّاهِرُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ وَتَكُونُ الْآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ دَلَّتْ بِمَعْنَاهَا عَلَى النَّهْيِ عَنِ الِاصْطِيَادِ فَيُسْتَفَادُ مِنْ مَجْمُوعِ الْآيَتَيْنِ النَّهْيُ عَنِ الِاصْطِيَادِ، وَالنَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ.

وَالظَّاهِرُ عُمُومُ الصَّيْدِ وَقَدْ خُصَّ هَذَا الْعُمُومُ بِصَيْدِ الْبَرِّ لِقَوْلِهِ: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) .

وَقِيلَ وَبِالسُّنَّةِ بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»

فَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَاسَ مَالِكٌ عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ كُلَّ مَا كَلَبَ عَلَى النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ وَرَآهُ دَاخِلًا فِي لَفْظِهِ مِنْ أَسَدٍ وَنَمِرٍ وَفَهِدٍ وَذِئْبٍ وَكُلَّ سَبُعٍ عَادٍ فَقَالَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهَا مُبْتَدِئًا بِهَا لَا هِزَبْرٍ وَثَعْلَبٍ وَضَبُعٍ فَإِنْ قَتَلَهَا فَدَى.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ لَا يَقْتُلُ مِنَ السِّبَاعِ إِلَّا مَا عَدَا عَلَيْهِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِنْ بَدَأَهُ السَّبُعُ قَتَلَهُ وَلَا فِدْيَةَ وَإِنِ ابْتَدَأَهُ الْمُحْرِمُ فَقَتَلَهُ فَدَى.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي فِرَاخِ السِّبَاعِ قَبْلَ أَنْ تَفْتَرِسَ لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ قتلها، وثبت عن عمر أَمْرُهُ الْمُحْرِمِينَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى إِبَاحَةِ قتلها وثبت عن عمر إِبَاحَةُ قَتْلِ الزُّنْبُورِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَقْرَبِ وَذَوَاتُ السُّمُومِ فِي حُكْمِ الْحَيَّةِ كَالْأَفْعَى وَالرُّتَيْلَا

وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ أَنَّ الصَّيْدَ هُوَ مَا تَوَحَّشَ مَأْكُولًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ سَبُعًا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ضَمِنَ وَلَا يُجَاوِزُ قِيمَةَ شَاةٍ.

وَقَالَ زُفَرُ بَالِغًا مَا بَلَغَ.

وَقَالَ قَوْمٌ الصَّيْدُ هُوَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُبِ الضَّمَانُ فِي قَتْلِ السَّبُعِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا فِي قَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَلَا الذِّئْبِ وَإِذَا كان الصيد مما يحل أَكْلُهُ فَقَتَلَهُ الْمُحْرِمُ وَلَوْ بِالذَّبْحِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُذَكًّى فَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْحَسَنِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِنْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ ذَكَّاهُ.

وَقَالَ الْحَكَمُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَسُفْيَانُ يَحِلُّ لِلْحَلَالِ أَكْلُهُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْحَسَنِ.

(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)

الظَّاهِرُ تَقْيِيدُ الْقَتْلِ بِالْعَمْدِ فَمَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ فَقَتَلَ خَطَأً بِأَنْ كَانَ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ أَوْ رَمَاهُ ظَانًّا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ أَوْ عَدَلَ سَهْمَهُ الَّذِي رَمَاهُ لِغَيْرِ صَيْدٍ فَأَصَابَ صَيْدًا فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا التَّكْفِيرُ فِي الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا غَلَّظُوا فِي الْخَطَأِ لِئَلَّا يَعُودُوا.

وَقِيلَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَأُلْحِقَ بِهِ النَّادِرُ.

وَقِيلَ ذَكَرَ التَّعَمُّدَ لِأَنَّ مَوْرِدَ الْآيَةِ فِي مَنْ تَعَمَّدَ لِقِصَّةِ أَبِي الْيَسَرِ إِذْ قَتَلَ الْحِمَارَ مُتَعَمِّدًا.

وَهُوَ مُحْرِمٌ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ أَنَّ الْخَطَأَ بِنِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعَمْدِ، وَالْعَمْدُ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ قَاصِدًا لِلْقَتْلِ.

(فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)

وَالظَّاهِرُ فِي الْمِثْلِيَّةِ أَنَّهَا مِثْلِيَّةٌ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ وَالصِّغَرِ وَالْعِظَمِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ هِيَ فِي الْقِيمَةِ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ الْمَقْتُولَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ طَعَامًا مِنَ الْأَنْعَامِ ثُمَّ يهْدِي.

وَقَالَ قَوْمٌ الْمِثْلِيَّةُ فِيمَا وُجِدَ لَهُ مِثْلٌ صُورَةً وَمَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ فَالْمِثْلِيَّةُ فِي الْقِيمَةِ.

(يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ)

أَيْ يَحْكُمُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ.

قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُخَيِّرَ الْحَكَمَانِ مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ كَمَا خَيَّرَهُ اللَّهُ فِي أَنْ يُخْرِجَ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما، فَإِنِ اخْتَارَ الْهَدْيَ حَكَمَا عَلَيْهِ بِمَا يَرَيَانِهِ نَظَرًا لِمَا أَصَابَ وَأَدْنَى الْهَدْيِ شَاةٌ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ شَاةً حَكَمَا فِيهِ بِالطَّعَامِ ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَصُومَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ عَدْلَانِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ اسْتَدْعَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَحَكَمَا فِي ظَبْيٍ بِشَاةٍ وَفَعَلَ ذَلِكَ جَرِيرٌ وَابْنُ عُمَرَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَدْلَيْنِ ذَكَرَانِ فَلَا يَحْكُمُ فِيهِ امْرَأَتَانِ عَدْلَتَانِ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَحْكُمَانِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِاجْتِهَادِهِمَا وَذَلِكَ مَوْكُولٌ إِلَيْهِمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ وَحَكَمَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ بِحُكْمٍ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ فِيهِ الصَّحَابَةُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِهِمَا فَيَنْظُرَانِ إِلَى الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْأَنْعَامِ فَكُلُّ مَا كَانَ أَقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبَانِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا قَاتِلَ الصَّيْدِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً جَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدَهُمَا أَوْ عَمْدًا فَلَا لِأَنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ تَعَالَى فَرَضَ تَعْيِينَ الْمِثْلِ إِلَى اجْتِهَادِ النَّاسِ وَظُنُونِهِمْ.

وَفِي قَوْلِهِ (مِنْكُمْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرَ الْكَعْبَةَ لِأَنَّهَا أم الحرام، قَالُوا وَالْحَرَمُ كُلُّهُ مَنْحَرٌ لِهَذَا الْهَدْيِ فَمَا وُقِفَ به يعرفه مِنْ هَدْيِ الْجَزَاءِ يُنْحَرُ بِمِنًى وَمَا لَمْ يُوقَفْ بِهِ فَيُنْحَرُ بِمَكَّةَ وَفِي سَائِرِ بِقَاعِ الْحَرَمِ بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلَ مِنَ الْحِلِّ وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا الْكَعْبَةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت