فهرس الكتاب

الصفحة 2569 من 4059

(أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ)

وَقَدْ أَجْمَلَ فِي مِقْدَارِ الطَّعَامِ وَفِي عَدَدِ الْمَسَاكِينِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِي أَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ جَمْعُ مَسَاكِينَ.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ.

(أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا)

الْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ الطَّعَامُ وَالطَّعَامُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فِي الْآيَةِ لَا كَيْلًا وَلَا وَزْنًا فيلزم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ أَيْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ عَدَدًا وَالصِّيَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّعَامِ أَهُوَ مُدٌّ أَوْ مُدَّانِ. وَبِالْمُدِّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ، وَبِالْمُدَّيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ الْقَوْلَانِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) إِشَارَةً إِلَى الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ.

وَفِي الظَّبْيِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَفِي الْإِبِلِ عِشْرُونَ يَوْمًا وَفِي النَّعَامَةِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إِلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ تَقْيِيدِ الْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ بِمَكَانٍ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَحَيْثُ مَا شَاءَ كَفَّرَ بِهِمَا.

وَقَالَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ (أَوْ) لِلتَّخْيِيرِ أَيْ ذَلِكَ فِعْلٌ أَجْزَأَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْإِطْعَامِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَا إِلَى الصَّوْمِ إِلَّا إِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّخْيِيرَ رَاجِعٌ إِلَى قاتل الصيد وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْخِيَارُ إِلَى الْحَكَمَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ بِأَنْ يُطْعِمَ عَنْ يَوْمٍ وَيَصُومَ فِي كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَجَازَ ذَلِكَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَانْتَصَبَ صِيامًا عَلَى التَّمْيِيزِ عَلَى الْعَدْلِ كَقَوْلِكَ عَلَى التَّمْرَةِ مِثْلُهَا زُبْدًا لِأَنَّ الْمَعْنَى أَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ صِيَامًا.

(لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ)

الذَّوْقُ مَعْرُوفٌ وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِمَا يُؤَثِّرُ مِنْ غَرَامَةٍ وَإِتْعَابِ النَّفْسِ بِالصَّوْمِ وَالْوَبَالُ سُوءُ عَاقِبَةِ مَا فَعَلَ وَهُوَ هَتْكُ حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ.

(عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ)

أَيْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنْ قَتْلِكُمُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ.

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِشَرَائِعِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَكَانَ الصَّيْدُ فِيهَا مُحَرَّمًا انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَمَّا سَلَفَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ قَبْلَ هَذَا النَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ.

(وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)

أَيْ وَمَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ وَيَكْفُرُ أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ كَفَّرَ بِإِحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ أَوْ عَاصِيًا بِأَنْ يَعُودَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِإِحْرَامِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ بِإِلْزَامِ الْكَفَّارَةِ فَقَطْ وَكُلَّمَا عَادَ فَهُوَ يُكَفِّرُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ كَانَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِإِحْرَامِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ.

وظاهر (ومَنْ عادَ) للعموم أَلَا تَرَى أَنَّ (مَنْ) شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ تَضَمَّنَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ فَتَعُمُّ، خِلَافًا لِقَوْمٍ إِذْ زَعَمُوا أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَأَسْنَدُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَتَجَوَّزَ لَهُ ثُمَّ عَادَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)

وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا تَكُونُ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ تَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ إِذْ هَذَا الرَّجُلُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ ظَهَرَ انْتِقَامُ اللَّهِ مِنْهُ.

(وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ)

أَيْ عَزِيزٌ لَا يُغَالَبُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِمَ لَمْ يُغَالِبْهُ أَحَدٌ، وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ تَذْكَارٌ بِنِقَمِ اللَّهِ وَتَخْوِيفٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت