فهرس الكتاب

الصفحة 2400 من 4059

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) }

وَبَعْثُ النُّقَبَاءِ قِيلَ: هُمُ الْمُلُوكُ بُعِثُوا فِيهِمْ يُقِيمُونَ الْعَدْلَ، وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَالنَّقِيبُ: كَبِيرُ الْقَوْمِ الْقَائِمُ بِأُمُورِهِمْ.

وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ: أَنَّهُ عَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ فِي أَنْ بَعَثَ لِأَعْدَائِهِمْ هَذَا الْعَدَدَ مِنَ الْمُلُوكِ قَالَهُ النَّقَّاشُ.

وَقَالَ: مَا وَفَّى مِنْهُمْ إِلَّا خَمْسَةٌ: دَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ ابْنُهُ، وَطَالُوتُ، وَحَزْقِيلُ، وَابْنُهُ، وَكَفَرَ السَّبْعَةُ وَبَدَّلُوا وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَخَرَجَ خِلَالَ الِاثْنَيْ عَشَرَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ جَبَّارًا كُلُّهُمْ يَأْخُذُ الْمُلْكَ بِالسَّيْفِ، وَيَعْبَثُ فِيهِمْ، وَالْبَعْثُ: مِنْ بَعْثِ الْجُيُوشِ.

وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَعْثِ الرُّسُلِ وَهُوَ إِرْسَالُهُمْ وَالنُّقَبَاءُ الرُّسُلُ جَعَلَهُمُ اللَّهُ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ كُلُّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ إِلَى سِبْطٍ.

وَقِيلَ: الْمِيثَاقُ هُنَا وَالنُّقَبَاءُ هُوَ مَا جَرَى لِمُوسَى مَعَ قَوْمِهِ فِي جِهَادِ الْجَبَّارِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِمِصْرَ بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَرِيحَا أَرْضِ الشَّامِ، وَكَانَ يَسْكُنُهَا الْكُفَّارُ الْكَنْعَانِيُّونَ الْجَبَابِرَةُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا، وَجَاهِدُوا مَنْ فِيهَا، وَإِنِّي نَاصِرُكُمْ. وَأَمَرَ مُوسَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلَى قَوْمِهِ بِالْوَفَاءِ بِمَا أُمِرُوا بِهِ تَوْثِقَةً عَلَيْهِمْ، فَاخْتَارَ النُّقَبَاءَ، وَأَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِهِ النُّقَبَاءُ، وَسَارَ بِهِمْ فَلَمَّا دَنَا مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ بَعَثَ النُّقَبَاءَ يَتَجَسَّسُونَ فَرَأَوْا أَجْرَامًا عِظَامًا وَقُوَّةً وَشَوْكَةً، فَهَابُوا وَرَجَعُوا وَحَدَّثُوا قَوْمَهُمْ، وَقَدْ نَهَاهُمْ مُوسَى أَنْ يُحَدِّثُوهُمْ، فَنَكَثُوا الْمِيثَاقَ، إِلَّا كَالَبَ بْنَ يُوقَنَّا مِنْ سِبْطِ يُهُودَا، وَيُوشِعَ بْنِ نُونَ مِنْ سِبْطِ إفرائيم بْنِ يُوسُفَ وَكَانَا مِنَ النُّقَبَاءِ.

وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ فِي الْمُحَبَّرِ أَسْمَاءَ هَؤُلَاءِ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَلْفَاظٍ لَا تَنْضَبِطُ حُرُوفُهَا وَلَا شَكْلُهَا، وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ مُخَالِفَةً فِي أَكْثَرِهَا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا ينضبط أَيْضًا.

وَذَكَرُوا مِنْ خَلْقِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ وَعِظَمِ أَجْسَامِهِمْ وَكِبَرِ قَوَالِبِهِمْ مَا لَا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ، قَالُوا: وَعَدَدُ هَؤُلَاءِ النُّقَبَاءِ كَانَ بِعَدَدِ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّبْعِينَ رُجُلًا وَالْمَرْأَتَيْنِ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَسَمَّاهُمْ: النُّقَبَاءَ.

(وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ)

أَيْ بِالنَّصْرِ وَالْحِيَاطَةِ.

وَفِي هَذِهِ الْمَعِيَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ الِاعْتِنَاءِ وَالنُّصْرَةِ، وَتَحْلِيلِ مَا شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَأْتِي بَعْدُ، وَضَمِيرُ الْخِطَابِ هُوَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ جَمِيعًا.

وَقَالَ الرَّبِيعُ: هُوَ خِطَابٌ لِلنُّقَبَاءِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ لِانْسِحَابِ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

(لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ)

وَالزَّكَاةُ هُنَا مَفْرُوضٌ مِنَ الْمَالِ كَانَ عَلَيْهِمْ.

وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَعْطَيْتُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ كُلَّ مَا فِيهِ زَكَاةٌ لَكُمْ حَسْبَمَا نُدِبْتُمْ إِلَيْهِ قَالَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ. والأول هو الرَّاجِحُ.

(وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي)

الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدَّمَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ عَلَى الْإِيمَانِ تَشْرِيفًا لَهُمَا، وَقَدْ عُلِمَ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ عَمَلٌ إِلَّا بِالْإِيمَانِ قَالَهُ: ابْنُ عَطِيَّةَ.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: كَانَ الْيَهُودُ مُقِرِّينَ بِحُصُولِ الْإِيمَانِ مَعَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَكَانُوا مُكَذِّبِينَ بَعْضَ الرُّسُلِ، فَذَكَرَ بَعْدَهُمَا الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وَأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ نَجَاةٌ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِجَمِيعِهِمْ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

(وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)

إِيتَاءُ الزَّكَاةِ هُوَ فِي الْوَاجِبِ، وَهَذَا الْقَرْضُ هُوَ فِي الْمَنْدُوبِ.

وَنَبَّهَ عَلَى الصَّدَقَاتِ الْمَنْدُوبَةِ بِذِكْرِهَا فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَجْمُوعِ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا لِمَوْقِعِهَا مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي.

وَقَدْ فُسِّرَ هَذَا الْإِقْرَاضُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَبِالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ، وَبِالزَّكَاةِ. وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّهُ تَكْرَارٌ. وَوَصَفَهُ بِحَسَنٍ إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُتْبَعُ بِمَنٍّ وَلَا أَذًى، وَإِمَّا لِأَنَّهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.

(لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ)

رَتَّبَ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمَشْرُوطَةِ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ، وَذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى إِزَالَةِ الْعِقَابِ، وَإِدْخَالِ الْجَنَّاتِ، وَذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى إِيصَالِ الثَّوَابِ.

(فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ)

أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ الْمِيثَاقِ الْمَأْخُوذِ وَالشَّرْطِ الْمُؤَكَّدِ فَقَدْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ. وَسَوَاءُ السَّبِيلِ وَسَطُهُ وَقَصْدُهُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْقَصْدِ، وَهُوَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ.

وَتَخْصِيصُ الْكُفْرِ بِتَعْدِيَةِ أَخْذِ الْمِيثَاقِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ ضَلَالًا عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الشَّرْطِ الْمُؤَكَّدِ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ الْأَمِينِ الْعَظِيمِ أَفْحَشُ وَأَعْظَمُ، إِذْ يُوجِبُ أَخْذُ الْمِيثَاقِ الْإِيفَاءَ بِهِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ هَذَا الْوَعِيدِ عِظَمُ الْكُفْرِ هُوَ بِعِظَمِ النِّعْمَةِ الْمَكْفُورَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت