فهرس الكتاب

الصفحة 2771 من 4059

{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75)}

(وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)

هَذِهِ جُمْلَةُ اعْتِرَاضٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) مُنْكِرًا عَلَى أَبِيهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَبَيْنَ جُمْلَةِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِمْ بِإِفْرَادِ الْمَعْبُودِ، وَكَوْنِهِ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ وَهِيَ قَوْلُهُ: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ)

و (نُرِي) بمعنى أريناه وَهِيَ حِكَايَةُ حَالٍ وَهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى اثْنَيْنِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بَصَرِيَّةٌ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَإمَّا مِنْ أُرِيَ الَّتِي بِمَعْنَى عَرَفَ انْتَهَى.

وَعَلَى كَوْنِهَا بَصْرِيَّةً فَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ ومجاهد: فرجت له السماوات وَالْأَرْضُ فَرَأَى بِبَصَرِهِ الْمَلَكُوتَ الْأَعْلَى وَالْمَلَكُوتَ الْأَسْفَلَ وَرَأَى مَقَامَهُ فِي الْجَنَّةِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإِنْ صَحَّ هَذَا النَّقْلُ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإِبْرَاهِيمَ بِمَا لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ انْتَهَى.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَشَفَ الله له عن السماوات وَالْأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشِ وَأَسْفَلِ الْأَرَضِينَ.

وَإِذَا كَانَتْ إِبْصَارًا فَلَيْسَ الْمَعْنَى مُجَرَّدَ الْإِبْصَارِ وَلَكِنْ وَقَعَ لَهُ مَعَهَا مِنْ الِاعْتِبَارِ وَالْعِلْمِ مَا لَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ.

قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ.

وَفِي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لَهُ عَلَى جِهَةِ التَّقْيِيدِ بِأَهْلِ زَمَانِهِ وَكَوْنِهَا مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رأى بها ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ بِفِكْرَتِهِ وَنَظَرِهِ وَذَلِكَ لَا بُدَّ مُتَرَكِّبٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رُؤْيَتِهِ بِبَصَرِهِ وَإِدْرَاكِهِ فِي الْجُمْلَةِ بِحَوَاسِّهِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمِثْلَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ وَالتَّبْصِيرِ نُعَرِّفُ ابراهيم ونبصره ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ يَعْنِي الرُّبُوبِيَّةَ وَالْإِلَهِيَّةَ ونوقفه لِمَعْرِفَتِهِمَا وَنُرْشِدُهُ بِمَا شَرَحْنَا صَدْرَهُ وَسَدَّدْنَا نَظَرَهُ لِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ ونُرِي حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ انْتَهَى.

وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى الْهِدَايَةِ أَوْ وَمِثْلَ هِدَايَتِهِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَاءِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَفْضِ الْأَصْنَامِ أَشْهَدْنَاهُ مَلَكُوتَ السماوات وَالْأَرْضِ.

وَحَكَى الَمَهْدَوِيُّ أَنَّ الْمَعْنَى وَكَمَا هَدَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ أَرَيْنَا إِبْرَاهِيمَ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ وَكَذَلِكَ الْإِنْكَارُ وَالدُّعَاءُ إِلَى اللَّهِ زَمَانَ ادِّعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ أشهدناه ملكوت السماوات وَالْأَرْضِ فَصَارَ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَلَائِلَ الْأُمُورِ سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا، فَلَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْخَلَائِقِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ جَعَلَ يَلْعَنُ أَصْحَابَ الذُّنُوبِ [1] قَالَ اللَّهُ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا فَرَدَّهُ لَا يَرَى أَعْمَالَهُمْ انْتَهَى.

قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ: الْمَلَكُوتُ الْمُلْكُ كَالرَّغَبُوتِ وَالرَّهَبُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَهُوَ بِنَاءُ مُبَالِغَةٍ وَمِنْ كَلَامِهِمْ: لَهُ مَلَكُوتُ الْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: ويعني به آيات السماوات وَالْأَرْضِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مَلَكُوتُ السماوات: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَمَلَكُوتُ الْأَرْضِ: الْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالْبِحَارُ.

وَقِيلَ: عِبَادَةُ الْمَلَائِكَةِ وَعِصْيَانُ آدَمَ.

(وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)

أَيْ أَرَيْنَاهُ الْمَلَكُوتَ.

وَقِيلَ: ثَمَّ عِلَّةٌ مَحْذُوفَةٌ عُطِفَتْ هَذِهِ عَلَيْهَا وَقُدِّرَتْ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ.

وَقَالَ قَوْمٌ: لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى الصَّانِعِ.

وَقِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ وَمُتَعَلَّقُ الْمُوقِنِينَ قِيلَ: بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ.

وَقِيلَ: بِنُبُوَّتِهِ وَبِرِسَالَتِهِ.

وَقِيلَ: عِيَانًا كَمَا أَيْقَنَ بَيَانًا انْتَقَلَ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ كَمَا سَأَلَ فِي قَوْلِهِ: (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى)

والإيقان تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ،

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ: الْيَقِينُ عِبَارَةٌ عَنْ عِلْمٍ يَحْصُلُ بَعْدَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ بِسَبَبِ التَّأَمُّلِ وَلِهَذَا لَا يُوصَفُ عِلْمُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ يَقِينًا لِأَنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِالشُّبْهَةِ وَغَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنَ الْفِكْرِ وَالتَّأَمُّلِ، وَإِذَا كَثُرَتِ الدَّلَائِلُ وَتَوَافَقَتْ وَتَطَابَقَتْ صَارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الْيَقِينِ إِذْ يَحْصُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَوْعُ تَأْثِيرٍ وَقُوَّةٍ فَتَتَزَايَدُ حَتَّى يَجْزِمَ.

[1] لا يخفى ما فيه من بعدٍ بعيد، ويكفي في رده قوله تعالى (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(36) . والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت