أَيْ فَعَلَ الْوَسْوَسَةَ لِأَجْلِهِمَا وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ) فَمَعْنَاهُ أَلْقَى الْوَسْوَسَةَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَصَلَتْ وسوسته لَهُمَا فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لَهُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا قول ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ لَفْظُ الْقُرْآنِ.
وَقِيلَ: كَانَ فِي السَّمَاءِ وَكَانَا يَخْرُجَانِ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: مِنْ بَابِ الْجَنَّةِ وَهُمَا بِهَا.
وَقِيلَ: كَانَ يَدْخُلُ إِلَيْهِمَا فِي فَمِ الْحَيَّةِ [1] .
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَلْهَمَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: أَوْرَدَ عَلَيْهِمَا الْخَوَاطِرَ الْمُزَيَّنَةَ.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يُخَالِفَانِ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلٍ وَمُحَاوَرَةٍ وَقَسَمٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ لَامُ كَيْ قَصَدَ إبداء سوآتهما وتنحطّ مرتبتهما بذلك ويسوؤهما بِكَشْفِ مَا يَنْبَغِي سَتْرُهُ وَلَا يَجْتَنِبَانِ نَهْيَ اللَّهِ فَيَكُونُ هُوَ وَهُمَا سَوَاءً فِي الْمُخَالَفَةِ هُوَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأَبَى، وَهُمَا نُهِيَا فَلَمْ يَنْتَهِيَا.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا لَامُ الصَّيْرُورَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلِمٌ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَيَقْصُدُهَا.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا فِي الطِّبَاعِ مُسْتَقْبَحًا فِي الْعُقُولِ انْتَهَى.
وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ فِي أَنَّ الْعَقْلَ يُقَبِّحُ وَيُحَسِّنُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ مَدْلُولُ سَوْءَاتِهِمَا نَفْسِهِمَا وَهُمَا الْفَرْجُ وَالدُّبُرُ قِيلَ: وَكَانَا لَا يَرَيَانِهِمَا قَبْلَ أَكْلِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا أَكَلَا بَدَتَا لَهُمَا.
وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ يَرَى سوأة صَاحِبِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ كَنَّى بِسَوْءَاتِهِمَا عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِمَا وذكر السوأة لِأَنَّهَا أَقْبَحُ مَا يَظْهَرُ مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وُورِيَ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ أُورِيَ بِإِبْدَالِ الْوَاوِ هَمْزَةً وَهُوَ بَدَلٌ جَائِزٌ.
وَقَرَأَ ابْنُ وَثَّابٍ مَا وُرِيَ بِوَاوٍ مَضْمُومَةٍ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ بَعْدَهَا عَلَى وَزْنِ كُسِيَ.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ مِنْ سَوَّتِهِمَا بِالْإِفْرَادِ وَتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ بِإِبْدَالِهَا وَاوًا وَإِدْغَامِ الْوَاوِ فِيهَا.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ أَيْضًا وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَشَيْبَةُ بْنُ نَصَّاحٍ مِنْ سَوَّاتِهِمَا بِتَسْهِيلِ الهمزة وتشديد الواو.
وقرئ مِنْ سَوَاتِهِمَا بِوَاوٍ وَاحِدَةٍ وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ حَذَفَهَا وَأَلْقَى حَرَكَتَهَا عَلَى الْوَاوِ فَمَنْ قَرَأَ بِالْجَمْعِ فَهُوَ مِنْ وَضْعِ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ مِثْلَيْنِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْإِفْرَادِ فَمِنْ وَضْعِهِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ عَوْرَةٍ هِيَ الدُّبُرُ وَالْفَرْجُ وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ: فَهِيَ جَمْعٌ
وَ (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ أَيْ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا لِشَيْءٍ إِلَّا كَرَاهَةَ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ وَيُقَدِّرُهُ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا أَنْ تَكُونَا وَإِضْمَارُ الِاسْمِ وَهُوَ كَرَاهَةٌ أَحْسَنُ مِنْ إِضْمَارِ الْحَرْفِ وَهُوَ (لَا) .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى وَأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ تَلْمَحُ مَرْتَبَتَهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ فِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا شَهْوَةً فِي طَعَامٍ انْتَهَى.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَالضَّحَّاكُ وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَدُلُّ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ
(هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى)
وَ (مِنَ الْخَالِدِينَ) مِنَ الَّذِينَ لَا يَمُوتُونَ وَيَبْقُونَ فِي الْجَنَّةِ سَاكِنِينَ.
[1] ذكر الحية في قصة آدم - عليه السلام - لم يصح ولم يثبت، وهو من الإسرائيليات المنكرة. والله أعلم.
قال الدكتور/ محمد أبو شهبة ما نصه:
من تلك الإسرائيليات: ما رواه ابن جرير في تفسيره بسنده عن وهب بن منبه قال: لما أسكن الله آدم وذريته أو زوجته -الشك من أبي جعفر، وهو في أصل كتابه"وذريته"- ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعبة بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستنزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربعة قوائم، كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت إلى آدم، فقالت له مثل ذلك حتى أكل منها، فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خلقت منها، لعنة يتحول عمرها شوكا .... ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدي؛ فإنك لا تحملين حملا إلا حملتيه كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك، أشرفت على الموت مرارا، وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي، ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم، وهم أعداؤك .... قال عمرو: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل!! قال: يفعل الله ما يشاء، قال ابن جرير: وروى ابن عباس نحو هذه القصة.
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس، وعن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام، وفي السند أسباط عن السدي، وعليهما تدور الروايات، وقد قدمنا حالهما في الرواية.
وكذلك: ذكر السيوطي في"الدر المنثور"ما رواه ابن جرير وغيره في هذا، مما روي عن ابن عباس، وابن مسعود، ولكنه لم يذكر الرواية عن وهب من منبه، وأغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضا، وكل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيدوا فيه، وخلطوا حقا بباطل، ثم حمله عنهم ابن عباس، وغيره من الصحابة والتابعين، وفسروا به القرآن الكريم.
ويرحم الله ابن جرير، فقد أشار بذكره الرواية عن وهب: إلى أن ما يرويه عن ابن عباس، وابن مسعود إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مُسلِمة أهل الكتاب، ويا لتيه لم ينقل شيئا من هذا، ويا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا.
وفي رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكون فيما يروونه لهم، فقد جاء في آخرها:"قال عمرو، قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟!! قال: يفعل الله ما يشاء"فهم قد استشكلوا عليه: كيف أن الملائكة تأكل؟! وهو لم يأتِ بجواب يُعتدُّ به.
ووسوسة إبليس لآدم عليه السلام لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها الله يوم خلقها على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي، ولا شيء من هذا. اهـ (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير. ص: 178 - 180) .