قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَدَلٌ ثَانٍ مِنْ (إِذْ يَعِدُكُمُ) أَوْ مَنْصُوبٌ بِالنَّصْرِ أَوْ بِمَا فِي عِنْدِ اللَّهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ أَوْ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ أَوْ بِإِضْمَارِ اذْكُرِ انْتَهَى.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ (يَغْشاكُمُ) النُّعاسَ مُضَارِعُ غَشِيَ والنُّعاسَ رُفِعَ بِهِ.
وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ وَابْنُ نِصَاحٍ وَأَبُو حَفْصٍ وَنَافِعٌ (يُغْشِيكُمُ) مُضَارِعُ أَغْشَى.
وَقَرَأَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو رَجَاءٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكُوفِيُّونَ (يُغَشِّيكُمُ) مُضَارِعُ غَشَّى.
و (النُّعاسَ) فِي هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ مَنْصُوبٌ وَالْفَاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، وَنَاسَبَتْ قِرَاءَةُ نَافِعٍ قَوْلَهُ (يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ) وَقِرَاءَةُ الْبَاقِينَ (وَيُنَزِّلُ) حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفِ الْفَاعِلُ.
وَمَعْنَى يُغَشِّيكُمْ يُغطيكُمْ بِهِ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ جَعَلَ مَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النُّعَاسِ غَشَيَانًا لَهُمْ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ النُّعاسَ وأَمَنَةً فِي آلِ عِمْرَانَ.
وَالضَّمِيرُ فِي (مِنْهُ) عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ.
وقرئ (أَمْنَةً) بِسُكُونِ الْمِيمِ وَنَظِيرُ أَمِنَ أَمَنَةً حَيِيَ حَيَاةً وَنَحْوُ أَمِنَ أَمْنَةً رَحِمَ رَحْمَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا كَانَ بِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ كَانَ يَمْنَعُهُمْ مِنَ النَّوْمِ فَلَمَّا طَامَنَ اللَّهُ تَعَالَى قُلُوبَهُمْ أَمَّنَهُمْ وَأَقَرُّوا.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الصَّلَاةِ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ انْتَهَى.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَبِيهُ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَالَ النُّعَاسُ عِنْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ عَلَامَةُ أَمْنٍ مِنَ الْعَدُوِّ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا إِنَّمَا طَرِيقَةُ الْوَحْيِ فَهُوَ لَا محالة يسنده انْتَهَى.
وَغِشْيَانُ النَّوْمِ إِيَّاهُمْ قِيلَ حَالَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَمَضَى مِثْلُ هَذَا فِي يَوْمِ أُحُدٍ فِي آلِ عِمْرَانَ.
وَقِيلَ: اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَ الْقِتَالُ فِي غَدِهَا امْتُنَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ مَعَ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ الَّذِي يَرَوْنَهُ فِي غَدٍ لِيَسْتَرِيحُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَيَنْشَطُوا فِي غَدِهَا لِلْقِتَالِ وَيَزُولَ رُعْبُهُمْ، وَيُقَالُ: الْأَمْنُ مُنِيمٌ وَالْخَوْفُ مُسْهِرٌ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الْجُمَلِ فِي الزَّمَانِ كَتَرْتِيبِهَا فِي التِّلَاوَةِ فَيَكُونَ إِنْزَالُ الْمَطَرِ تَأَخَّرَ عَنْ غِشْيَانِ النُّعَاسِ، وَعَنِ ابْنِ نَجِيحٍ أَنَّ الْمَطَرَ كَانَ قَبْلَ النُّعَاسِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ وَنُزُولُ الْمَاءِ كَانَ قَبْلَ تَغْشِيَةِ النُّعَاسِ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ كَذَلِكَ فِي الْآيَةِ إِذِ الْقَصْدُ مِنْهَا تَعْدِيدُ النِّعَمِ فَقَطْ.
وَقَرَأَ طَلْحَةُ وَيُنَزِّلُ بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَاءً بِالْمَدِّ.
وَقَرَأَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ (لِيُطَهِّرَكُمْ) بِسُكُونِ الطَّاءِ وَمَعْنَى لِيُطْهِرَكُمْ مِنَ الْجَنَابَاتِ وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ لَحِقَ أَكْثَرَهُمْ فِي سَفَرِهِمُ الْجَنَابَاتُ وَعَدِمُوا الْمَاءَ وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ رَمْلٍ دَهْسٍ لَيِّنٍ تَسُوخُ فِيهِ الْأَرْجُلُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقُوهُمْ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ.
وَقِيلَ بَلِ الْمُؤْمِنُونَ سَبَقُوا إِلَى الْمَاءِ بِبَدْرٍ وَكَانَ نُزُولُ الْمَطَرِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَالْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبَقُوا الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ وَبَقِيَ الْمُؤْمِنُونَ لَا مَاءَ لَهُمْ فَوَجَسَتْ نُفُوسُهُمْ وَعَطِشُوا وَأَجْنَبُوا وَصَلَّوْا كَذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ إِلَيْهِمْ نَزْعُمُ أَنَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ، وَحَالُنَا هَذِهِ، وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ لَيْلَةَ بَدْرٍ السَّابِعَةَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى سَالَتِ الْأَوْدِيَةُ فَشَرِبَ النَّاسُ وَتَطَهَّرُوا وَسَقَوُا الظَّهْرَ وَتَلَبَّدَتِ السَّبْخَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى ثَبَتَتْ فِيهَا أَقْدَامُ الْمُسْلِمِينَ وَقْتَ الْقِتَالِ، وَكَانَتْ قَبْلَ الْمَطَرِ تَسُوخُ فِيهَا الْأَرْجُلُ فَلَمَّا نَزَلَ تَلَبَّدَتْ قَالُوا فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) أَيْ مِنَ الْجَنَابَاتِ (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ) أَيْ عَذَابَهُ لَكُمْ بِوَسْوَاسِهِ.
وَالرِّجْزُ: الْعَذَابُ.
وَقِيلَ رِجْزُهُ كَيْدُهُ وَوَسْوَسَتُهُ.
وَقِيلَ الْجَنَابَةُ مِنَ الِاحْتِلَامِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَوَرَدَ مَا احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ إِنَّمَا الِاحْتِلَامُ يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَمَعْنَى الرَّبْطِ عَلَى الْقَلْبِ هُوَ اجْتِمَاعُ الرَّأْيِ وَالتَّشْجِيعُ عَلَى لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَالصَّبْرُ عَلَى مُكَافَحَةِ العدو والربط الشد وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ فَاسْتُعِيرَ مِنْهَا لِمَا حَصَلَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ التَّزَلْزُلِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ الرَّبْطِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الصَّبْرُ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ الْإِيمَانُ.
وَقِيلَ نُزُولُ الْمَطَرِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ (لِيُطَهِّرَكُمْ) وَمَا بَعْدَهُ تَعْلِيلٌ لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَثْبِيتَ الْأَقْدَامِ هُوَ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ اللِّقَاءُ كَانَ رَمْلًا تَغُوصُ فِيهِ الْأَرْجُلُ فَلَبَّدَهُ الْمَطَرُ حَتَّى ثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْأَقْدَامُ.
وَالضَّمِيرُ فِي (بِهِ) عَائِدٌ عَلَى الْمَطَرِ.
وَقِيلَ التَّثْبِيتُ لِلْأَقْدَامِ مَعْنَوِيٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ كَوْنُهُ لَا يَفِرُّ وَقْتَ الْقِتَالِ وَالضَّمِيرُ فِي (بِهِ) عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ (وَلِيَرْبِطَ) .
وَانْظُرْ إِلَى فَصَاحَةِ مَجِيءِ هَذِهِ التَّعْلِيلَاتِ بَدَأَ أَوَّلًا مِنْهَا بِالتَّعْلِيلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ تَطْهِيرُهُمْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ فِعْلٌ جُسْمَانِيٌّ أَعْنِي اغْتِسَالَهُمْ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لَامِ الْعِلَّةِ مَا هُوَ مِنْ لَازِمِ التَّطْهِيرِ وَهُوَ إِذْهَابُ رِجْزِ الشَّيْطَانِ حَيْثُ وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ وَلَمْ يَغْتَسِلُوا مِنَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ عَطَفَ بِلَامِ الْعِلَّةِ مَا لَيْسَ بِفِعْلٍ جُسْمَانِيٍّ، وَهُوَ فِعْلٌ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ التَّشْجِيعُ وَالِاطْمِئْنَانُ وَالصَّبْرُ عَلَى اللِّقَاءِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لَامِ الْعِلَّةِ مَا هُوَ مِنْ لَازِمِهِ وَهُوَ كَوْنُهُمْ لَا يَفِرُّونَ وَقْتَ الْحَرْبِ فَحِينَ ذَكَرَ التَّعْلِيلَ الظَّاهِرَ الْجُسْمَانِيَّ وَالتَّعْلِيلَ الْبَاطِنَ الْقَلْبِيَّ ظَهَرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ، وَحِينَ ذَكَرَ لَازِمَهَا لَمْ يُؤَكِّدْ بِلَامِ التَّعْلِيلِ وَبَدَأَ أَوَّلًا بِالتَّطْهِيرِ لِأَنَّهُ الْآكَدُ وَالْأَسْبَقُ فِي الْفِعْلِ، وَلِأَنَّهُ الَّذِي تُؤَدَّى بِهِ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ وَتَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ.