قُلْنَا اهْبِطُوا، كَرَّرَ الْقَوْلَ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ الْمَحْضِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْهُبُوطَ كَانَ أَوَّلَ مُخَالَفَةٍ، فَكَرَّرَ تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ لِاخْتِلَافِ مُتَعَلّقَيْهِمَا، لِأَنَّ الْأَوَّلَ عُلِّقَ بِهِ الْعَدَاوَةُ، وَالثَّانِي عُلِّقَ بِإِتْيَانِ الْهُدَى.
وَإِمَّا لَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، بَلْ هُمَا هُبُوطَانِ حَقِيقَةً، الْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ، وَالثَّانِي مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ. وَضُعِّفَ هَذَا الْوَجْهُ بِقَوْلِهِ فِي الْهُبُوطِ الْأَوَّلِ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، وَلَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِقْرَارُ عَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ إِلَّا بِالْهُبُوطِ الثَّانِي، فَكَانَ يَنْبَغِي الِاسْتِقْرَارُ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ وَبِقَوْلِهِ فِي الْهُبُوطِ الثَّانِي مِنْهَا، وَظَاهِرُ الضَّمِيرِ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْجَنَّةِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْهُبُوطَ الثَّانِي منها.
(جَمِيعًا) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي (اهْبِطُوا) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي لَفْظَةِ (جَمِيعًا) وَأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ فِي الْحُكْمِ، لَا الْمُقَارَنَةَ فِي الزَّمَانِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (مِنِّي) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ: (قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ، و (قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ) ، فَأَتَى بِكَلِمَةِ: (مِنْ) الدَّالَّةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ فِي الْأَشْيَاءِ، لِيُنَبَّهَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ صَادِرٌ مِنْهُ وَمُبْتَدَأٌ مِنْ جِهَتِهِ تَعَالَى، وَأَتَى بِأَدَاةِ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) ، وَهِيَ تَدْخُلُ عَلَى مَا يُتَرَدَّدُ فِي وُقُوعِهِ، وَالَّذِي انبهم زَمَانُ وُقُوعِهِ، وَإِتْيَانُ الْهُدَى وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّهُ انبهم وَقْتَ الْإِتْيَانِ، أَوْ لِأَنَّهُ آذَنَ ذَلِكَ بِأَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ إِتْيَانُ رُسُلٍ مِنْهُ، وَلَا إِنْزَالُ كُتُبٍ بِذَلِكَ، بَلْ لَوْ لَمْ يَبْعَثْ رُسُلًا، وَلَا أَنْزَلَ كُتُبًا، لَكَانَ الْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبًا، وَذَلِكَ لِمَا رَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الْعَقْلِ، وَنَصَّبَ لَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَمَكَّنَ لَهُمْ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، كَمَا قَالَ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وَفِي قوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) ، تَنْزِيلُ الْهُدَى مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ الْمُتَّبَعِ الْمُقْتَدَى بِهِ، فَتَكُونُ حَرَكَاتُ التَّابِعِ وَسَكَنَاتُهُ مُوَافَقَةً لِمَتْبُوعِهِ، وَهُوَ الْهُدَى، فَحِينَئِذٍ يَذْهَبُ عَنْهُ الْخَوْفُ وَالْحُزْنُ.
وَفِي إِضَافَةِ الْهُدَى إِلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْهُدَى مَا لَا يَكُونُ فِيهِ لَوْ كَانَ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَإِنْ كَانَ سَبِيلُ مِثْلِ هَذَا أَنْ يَعُودَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) ، وَالْإِضَافَةُ تُؤَدِّي مَعْنَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنَ التَّعْرِيفِ، وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ بِمَزِيَّةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّشْرِيفِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَخَوْفِهَا عَنِ الْمُطِيعِينَ لِمَا وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْ شَدَائِدِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ عَنِ الْمُطِيعِينَ. فَإِذَا صَارُوا إِلَى رَحْمَتِهِ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَخَافُوا، وَقَدَّمَ عَدَمَ الْخَوْفِ عَلَى عَدَمِ الْحُزْنِ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْخَوْفِ فِيمَا هُوَ آتٍ آكَدُ مِنِ انْتِفَاءِ الْحُزْنِ عَلَى مَا فَاتَ، وَلِذَلِكَ أُبْرِزَتْ جُمْلَتُهُ مُصَدَّرَةً بِالنَّكِرَةِ الَّتِي هِيَ أَوْغَلُ فِي بَابِ النَّفْيِ، وَأُبْرِزَتِ الثَّانِيَةُ مُصَدَّرَةً بِالْمَعْرِفَةِ فِي قَوْلِهِ: (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) .
وَفِي قَوْلِهِ: (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) إِشَارَةٌ إِلَى اخْتِصَاصِهِمْ بِانْتِفَاءِ الْحُزْنِ، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ يَحْزَنُ، وَلَوْ لَمْ يُشِرْ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ: وَلَا يَحْزَنُونَ، كَافِيًا. وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ نَفْيَ الْحُزْنِ عَنْهُمْ وَإِذْهَابَهُ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ وَمَا قَبْلَهُمَا مِنَ الْخَبَرِ مُخْتَصٌّ بِالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَفِي قَوْلِهِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) ، فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ يُحْزِنُهُ الْفَزَعُ، وَلَا يَذْهَبُ عَنْهُمُ الْحَزَنُ.
وَحُكِيَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الْعَذَابِ وَلَا يَحْزَنُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ.
الثَّانِي: لَا يَتَوَقَّعُونَ مَكْرُوهًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ لِفَوَاتِ الْمَرْغُوبِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ.
الثَّالِثُ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُمْ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فِيمَا خَلْفَهُ.
الرَّابِعُ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا.
الْخَامِسُ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِنْ عِقَابٍ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى فَوَاتِ ثَوَابٍ.
السَّادِسُ: إِنَّ الْخَوْفَ اسْتِشْعَارُ غَمٍّ لِفَقْدِ مَطْلُوبٍ، وَالْحُزْنَ اسْتِشْعَارُ غَمٍّ لِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ.
السَّابِعُ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْهَا.
الثَّامِنُ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فِيهَا.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ الَّتِي هِيَ دَارُ السُّرُورِ وَالْأَمْنِ، لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيهَا وَلَا حُزْنٌ.
الْعَاشِرُ: مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أَمَامَهُمْ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ فِي صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأَمَّنَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ سَلَّاهُمْ عَنِ الدُّنْيَا، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا. الْحَادِي عَشَرَ: لَا خَوْفٌ حِينَ أَطْبَقَتِ النَّارُ، وَلَا حُزْنٌ حِينَ ذُبِحَ الْمَوْتُ فِي صُورَةِ كَبْشٍ عَلَى الصِّرَاطِ، فَقِيلَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ: خلود لا مَوْتٌ.
الثَّانِي عَشَرَ: لَا خَوْفٌ وَلَا حُزْنٌ عَلَى الدَّوَامِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ عُمُومُ نَفْيِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ عَنْهُمْ، لَكِنْ يُخَصُّ بِمَا بَعْدَ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا قَدْ يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ الْخَوْفُ وَالْحُزْنُ، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا من العموم لذلك.