فهرس الكتاب

الصفحة 2203 من 4059

{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) }

مَنْ أَثْبَتَ أَنَّ (لَوْ) تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً قدره: وَدُّوا كُفْرَكُمْ كَمَا كَفَرُوا.

وَمَنْ جَعَلَ (لَوْ) حَرْفًا لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لوقوع غَيْرِهِ، جَعَلَ مَفْعُولَ وَدُّوا مَحْذُوفًا، وَجَوَابَ (لَوْ) مَحْذُوفًا، وَالتَّقْدِيرُ: وَدُّوا كُفْرَكُمْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً، لَسُرُّوا بِذَلِكَ.

وَسَبَبُ وُدِّهِمْ ذَلِكَ إِمَّا حَسَدًا لِمَا ظَهَرَ مِنْ عُلُوِّ الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ فِي نَظِيرَتِهَا: (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) وَإِمَّا إِيثَارًا لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا عُبَّادَ أَصْنَامٍ لِكَوْنِهِمْ يَرَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، وَهَذَا كَشْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِخَبِيثِ مُعْتَقَدِهِمْ، وَتَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ.

وَفَتَكُونُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (تَكْفُرُونَ) .

(فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)

لَمَّا نَصَّ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ بَانَتْ عَدَاوَتُهُمْ لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، فَنَهَى تَعَالَى أَنْ يُوَالَى مِنْهُمْ أَحَدٌ وَإِنْ آمَنُوا، حَتَّى يُظَاهِرُوا بِالْهِجْرَةِ الصَّحِيحَةِ لأجل الإيمان، لا لأجل حظ الدّنيا، وإنما غيابا بِالْهِجْرَةِ فَقَطْ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَزَلْ حُكْمُهَا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، فَنُسِخَ

بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» .

وَخَالَفَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَالَ بِوُجُوبِهَا، وَأَنَّ حُكْمَهَا لَمْ يُنْسَخْ، وَهُوَ بَاقٍ فَتَحْرُمُ الْإِقَامَةُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فِي دَارِ الشِّرْكِ.

وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ عَلَى خِلَافِهِ.

قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ: مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ فَهِيَ تَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ اسْتُحِبَّتْ لَهُ، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ وَلَا عَلَى الْحَرَكَةِ كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ.

(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا)

أَيْ. فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْإِيمَانِ الْمُظَاهَرِ بِالْهِجْرَةِ الصَّحِيحَةِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْكُفَّارِ يُقْتَلُونَ حَيْثُ وُجِدُوا فِي حِلٍّ وَحَرَمٍ، وَجَانِبُوهُمْ مُجَانَبَةً كُلِّيَّةً، وَلَوْ بَذَلُوا لَكُمُ الْوِلَايَةَ وَالنُّصْرَةَ فَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت