فهرس الكتاب

الصفحة 885 من 4059

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)}

قِيلَ: وَالدُّعَاءُ أَعْظَمُ مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ لِأَنَّهُ إِظْهَارُ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالشَّرْعُ قد ورد بِالْأَمْرِ بِهِ، وَقَدْ دَعَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ، وَنَزَلَتْ بِالْأَمْرِ بِهِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْجُهَّالِ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَذَكَرَ شُبَهًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ رَدَّهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ، وَقَالُوا: الْأَوْلَى بِالْعَبْدِ التَّضَرُّعُ وَالسُّؤَالُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِظْهَارُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِمَا رُوِيَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ.

وَقَالَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَقُولُ فِيهِمْ بَعْضُ النَّاسِ، إِنَّهُمْ عُلَمَاءُ الْحَقِيقَةِ: يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا فَاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهَا.

وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ. إِنْ كَانَ فِي حَالَةِ الدُّعَاءِ أَصْلَحَ، وَقَلَبُهُ أَطْيَبَ، وَسَرُّهُ أَصْفَى، وَنَفْسُهُ أَزْكَى، فَلْيَدْعُ وَإِنْ كَانَ فِي التَّرْكِ أَصْلَحَ فَالْإِمْسَاكُ عَنِ الدُّعَاءِ أَوْلَى بِهِ.

وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: تَرْكُ الدُّعَاءِ فِي كُلِّ حَالٍ أَصْلَحُ لِمَا فِيهِ مِنَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ، وَعَدَمِ الِاعْتِرَاضِ، وَلِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ وَالْعَارِفُ لَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ.

وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: تَرْكُ الذُّنُوبِ هُوَ الدُّعَاءُ لِأَنَّهُ إِذَا تَرَكَهَا تَوَلَّى اللَّهُ أَمْرَهُ وَأَصْلَحَ شَأْنَهُ.

قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .

وَقَدْ تُؤُوِّلَتِ الْإِجَابَةُ وَالدُّعَاءُ هُنَا عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ عِبَارَةً عَنِ التَّوْحِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى الله، لأنك دعوته ووجدته، وَالْإِجَابَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَبُولِ لَمَّا سُمِّيَ التَّوْحِيدُ دُعَاءً سُمِّيَ الْقَبُولُ إِجَابَةً، لِتَجَانُسِ اللَّفْظِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِجَابَةَ هُوَ السَّمَاعُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَسْمَعُ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ التَّوْبَةُ عَنِ الذُّنُوبِ لِأَنَّ التَّائِبَ يَدْعُو اللَّهَ عِنْدَ التَّوْبَةِ، وَالْإِجَابَةُ قَبُولُ التَّوْبَةِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ الْعِبَادَةُ» قَالَ تَعَالَى: (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي) وَالْإِجَابَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَفَاءِ بِمَا ضُمِنَ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الثَّوَابِ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: الْإِجَابَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِإِعْطَاءِ الْمَسْئُولِ وَبِمَنْعِهِ، فَالْمَعْنَى: إِنِّي أَخْتَارُ لَهُ خَيْرَ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْعَطَاءِ وَالرَّدِّ.

وَكُلُّ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ خِلَافُ الظَّاهِرِ.

(لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)

وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَآمَنُوا بِهِ كَانُوا عَلَى رَجَاءٍ مِنْ حُصُولِ الرُّشْدِ لَهُمْ، وَهُوَ الِاهْتِدَاءُ لِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَخَتْمُ الْآيَةِ بِرَجَاءِ الرُّشْدِ مِنْ أَحْسَنِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِجَابَةِ لَهُ، وَبِالْإِيمَانِ بِهِ، نَبَّهَ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ إِلَّا وُصُولَكَ بِامْتِثَالِهِ إِلَى رَشَادِكَ فِي نَفْسِكَ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ تَعَالَى مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِكَ.

وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ شُبِّهَ بِالطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ فِي الْقُرْآنِ، نَاسَبَ ذِكْرُ الرَّشَادِ وَهُوَ: الْهِدَايَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت