فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 4059

{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(133)}

وَ (أَمْ) هُنَا مُنْقَطِعَةٌ، تَتَضَمَّنُ مَعْنَى بَلْ وَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَالتَّقْدِيرُ: بَلْ أَكُنْتُمْ شُهَدَاءَ؟ فَمَعْنَى الْإِضْرَابِ: الِانْتِقَالُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، لَا أَنَّ ذَلِكَ إِبْطَالٌ لِمَا قَبْلَهُ.

وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ هُنَا: التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ مَا كُنْتُمْ شُهَدَاءَ، فَكَيْفَ تَنْسِبُونَ إِلَيْهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟ وَلَا شَهِدْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَلَا أَسْلَافُكُمْ.

وَقِيلَ: أَمْ هُنَا بِمَعْنَى: بَلْ، وَالْمَعْنَى بَلْ كُنْتُمْ، أَيْ كَانَ أَسْلَافُكُمْ، أَوْ تنزلهم مَنْزِلَةَ أَسْلَافِهِمْ، إِذْ كَانَ أَسْلَافُهُمْ قَدْ نَقَلُوا ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَفِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ إِنْكَارٌ عَلَيْهِمْ مَا نَسَبُوهُ إِلَى يَعْقُوبَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ.

وَالْخِطَابُ فِي (كُنْتُمْ) لِمَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَرُؤَسَائِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَالَ لَهُمْ عَلَى جِهَةِ التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ أَشْهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وَعَلِمْتُمْ بِمَا أَوْصَى، فَتَدَّعُونَ عَنْ عِلْمٍ، أَيْ لَمْ تَشْهَدُوا. بَلْ أَنْتُمْ تَفْتَرُونَ. وَأَمْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ لُغَةٌ يَمَانِيَةٌ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ.

وَلَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ أَمْ يُسْتَفْهَمُ بِهَا فِي صَدْرِ الْكَلَامِ. وَأَيْنَ ذَلِكَ؟ وَإِذَا صَحَّ النَّقْلُ فَلَا مَدْفَعَ فِيهِ وَلَا مَطْعَنَ.

وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَمْ يُسْتَفْهَمُ بِهَا فِي وَسَطِ

كَلَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهُ، وَهَذَا مِنْهُ. وَمِنْهُ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ. انْتَهَى.

وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ غَرِيبٌ.

وَتَلَخَّصَ أَنَّ أَمْ هُنَا فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (الْمَشْهُورُ) أَنَّهَا هُنَا مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَةِ.

(الثَّانِي) أَنَّهَا لِلْإِضْرَابِ فَقَطْ، بِمَعْنَى بَلْ.

(الثَّالِثُ) بِمَعْنَى هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فَقَطْ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَعْنَى: مَا شَاهَدْتُمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَكُمُ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ.

(إِذْ حَضَرَ)

وَكَنَّى بِالْمَوْتِ عَنْ مُقَدِّمَاتِهِ لِأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْمَوْتُ نَفْسُهُ لَا يَقُولُ الْمُحْتَضِرُ شَيْئًا، وَمِنْهُ: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) ، أَيْ وَيَأْتِيهِ دَوَاعِيهِ وَأَسْبَابُهُ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا الْعُذْرَ وَالْتَمِسُوا ... قَوْلًا يُبَرِّئُكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْتُ

وَفِي قَوْلِهِ: (حَضَرَ) كِنَايَةٌ غَرِيبَةٌ، إِنَّهُ غَائِبٌ لَا بُدَّ أَنْ يَقْدَمَ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ

فِي الدُّعَاءِ: وَاجْعَلِ الْمَوْتَ خَيْرَ غَائِبٍ نَنْتَظِرُهُ.

(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)

(مَا) اسْتِفْهَامٌ عَمَّا لَا يَعْقِلُ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ (مَا) مُبْهَمَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، يَكُونُ هُنَا يَقَعُ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ وَمَا لَا يَعْقِلُ، لِأَنَّهُ قَدْ عُبِدَ بَنُو آدَمَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَبَعْضُ النُّجُومِ وَالْأَوْثَانُ الْمَنْحُوتَةُ.

وَأَمَّا مَنْ يَذْهَبُ إِلَى تَخْصِيصِ (مَا) بِغَيْرِ الْعَاقِلِ، فَقِيلَ: هُوَ سُؤَالٌ عَنْ صِفَةِ الْمَعْبُودِ، لِأَنَّ (مَا) يُسْأَلُ بِهَا عَنِ الصِّفَاتِ تَقُولُ: مَا زَيْدٌ، أَفَقِيهٌ أَمْ شَاعِرٌ؟

وَقِيلَ: سَأَلَ بِمَا لِأَنَّ الْمَعْبُودَاتِ الْمُتَعَارِفَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ جَمَادَاتٍ، كَالْأَوْثَانِ وَالنَّارِ وَالشَّمْسِ وَالْحِجَارَةِ، فَاسْتَفْهَمَ بِمَا الَّتِي يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَمَّا لَا يَعْقِلُ. وَفَهِمَ عَنْهُ بَنُوهُ فَأَجَابُوهُ: بِأَنَّا لَا نَعْبُدُ شَيْئًا مِنْ هَؤُلَاءِ.

وَقِيلَ: استفهم بـ (مَا) عَنِ الْمَعْبُودِ تَجْرِبَةً لَهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ (مَنْ) لِئَلَّا يَطْرُقَ لَهُمُ الِاهْتِدَاءُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَهُمْ وَيَنْظُرَ ثُبُوتَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ.

وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّهُ اسْتَفْهَمَ عَنِ الَّذِي يَعْبُدُونَ، أي الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ؟

وَقَالَ الْقَفَّالُ: دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ لَا يَتَحَرَّوْا فِي أَعْمَالِهِمْ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهِمُ الِاشْتِغَالَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَإِنَّمَا خَافَ عَلَيْهِمْ أَنْ تَشْغَلَهُمْ دُنْيَاهُمْ.

وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَفَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ كَانَتْ فِي بَابِ الدِّينِ، وَهِمَّتُهُمْ مَصْرُوفَةٌ إِلَيْهِمْ.

وَفِي إِجَابَتِهِمْ لَهُ بِإِظْهَارِ الْفِعْلِ تَأْكِيدٌ لِمَا أَجَابُوهُ بِهِ، إِذْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَالُوا إِلَهَكَ، فَتَصْرِيحُهُمْ بِالْفِعْلِ تَأْكِيدٌ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلسُّؤَالِ، أَعْنِي فِي الْعَامِلِ الْمَلْفُوظِ بِهِ فِي السُّؤَالِ.

وَإِضَافَةُ الْإِلَهِ إِلَى يَعْقُوبَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اتِّحَادِ مَعْبُودِ السَّائِلِ وَالْمُجِيبِ لَفْظًا.

وَفِي قَوْلِهِ: (وَإِلَهَ آبَائِكَ) دَلِيلٌ عَلَى اتِّحَادِ الْمَعْبُودِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا كُرِّرَ لَفْظُ وَإِلَهَ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ إِلَّا بِإِعَادَةِ جَارِّهِ، إِلَّا فِي الشِّعْرِ، أَوْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَهُ قَلِيلٌ. فَلَوْ كَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، لَكَانَ حَذْفُ الْجَارِّ، إِذَا كَانَ اسْمًا، أَوْلَى مِنْ إِثْبَاتِهِ، لِمَا يُوهِمُ إِثْبَاتُهُ مِنَ الْمُغَايَرَةِ. فَإِنَّ حَذْفَهُ يَدُلُّ عَلَى الِاتِّحَادِ. وَبَدَأَ أَوَّلًا بِإِضَافَةِ الْإِلَهِ إِلَى يَعْقُوبَ، لِأَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ، وَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَقَدَّمَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْحَاقَ، لِأَنَّهُ أَسَنُّ أَوْ أَفْضَلُ، لِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم من ذُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ فِي عَمُودِ نَسَبِهِ. وَاقْتَصَرَ عَلَى هَؤُلَاءِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا خَيْرَ النَّاسِ فِي أَزْمَانِهِمْ، وَلَمْ يُعِمَّ، لِأَنَّ النَّاسَ كَانَ لَهُمْ مَعْبُودُونَ كَثِيرُونَ دُونَ اللَّهِ.

(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)

أَيْ مُنْقَادُونَ لَمَّا ذَكَرَ الْجَوَابَ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ نَعْبُدُ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مُتَجَدِّدَةٌ دَائِمًا. ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الْمُخْبَرَ عَنِ الْمُبْتَدَأِ فِيهَا بِاسْمِ الْفَاعِلِ الدَّالِّ عَلَى الثُّبُوتِ، لِأَنَّ الِانْقِيَادَ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ دَائِمًا، وَعَنْهُ تَكُونُ الْعِبَادَةُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أَحَدَ جُمْلَتَيِ الْجَوَابِ. فَأَجَابُوهُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ، وَالثَّانِي: مُؤَكِّدٌ لِمَا أَجَابُوا بِهِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْجَوَابِ الْمُرْبِي عَلَى السُّؤَالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت