فهرس الكتاب

الصفحة 1488 من 4059

{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(11)}

وآل فِرْعَوْنَ: أَشْيَاعُهُ وَأَتْبَاعُهُ.

(وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هُمْ كُفَّارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وَغَيْرِهِمْ. فَالضَّمِيرُ عَلَى هَذَا عَائِدٌ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى (الَّذِينَ كَفَرُوا) وَهُمْ مُعَاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَوْضِعُ: وَالَّذِينَ، جَرٌّ عَطْفًا عَلَى: آلِ فِرْعَوْنَ.

(كَذَّبُوا بِآياتِنا) هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلدَّأْبِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا فَعَلُوا؟ وَمَا فُعِلَ بِهِمْ؟

فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَهِيَ كَأَنَّهَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: مُكَذِّبِينَ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا) فَيَكُونُ: الَّذِينَ، مُبْتَدَأٌ، وَ: كَذَّبُوا، خَبَرُهُ.

وَفِي قَوْلِهِ: (بِآيَاتِنَا) الْتِفَاتٌ، إِذْ قَبْلَهُ (مِنَ اللَّهِ) ، فَهُوَ اسْمُ غَيْبَةٍ، فَانْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى التكلم.

و: الآيات، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَتْلُوَّةَ فِي كُتُبِ اللَّهِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَصِدْقِ أَنْبِيَائِهِ.

فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ رَجَعَ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَمَعْنَى الْأَخْذِ بِالذَّنْبِ: الْعِقَابُ عَلَيْهِ، وَالْبَاءُ فِي: بِذُنُوبِهِمْ، لِلسَّبَبِ.

وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سَطْوَةِ اللَّهِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ وَكَذَّبَ بِهَا.

(فصل)

قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ ضُرُوبِ الْفَصَاحَةِ.

حُسْنَ الْإِبْهَامِ، وَهُوَ فِيمَا افْتُتِحَتْ بِهِ، لِيُنَبِّهَ الْفِكْرَ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ.

وَمَجَازُ التَّشْبِيهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَحَقِيقَةُ النُّزُولِ طَرْحُ جَرْمٍ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَالْقُرْآنُ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَلَمَّا أُثْبِتَ فِي الْقَلْبِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ جِرْمٍ أُلْقِيَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ فَشُبِّهَ بِهِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْإِنْزَالِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) الْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكُتُبِ، شُبِّهَ بِالْإِنْسَانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَنَالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا.

وَفِي قَوْلِهِ: (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) أَقَامَ الْمَصْدَرَ فِيهِ مَقَامَ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَجَعَلَ التَّوْرَاةَ كَالرَّجُلِ الَّذِي يُوَرِّي عَنْكَ أَمْرًا، أَيْ: يَسْتُرُهُ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَعَانِي الْغَامِضَةِ، وَالْإِنْجِيلُ شُبِّهَ لِمَا فِيهِ مِنَ اتِّسَاعِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْخُضُوعِ بِالْعَيْنِ النَّجْلَاءِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ هُدًى لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِرْشَادِ، كَالطَّرِيقِ الَّذِي يَهْدِيكَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَرُومُهُ، وَشَبَّهَ الْفُرْقَانَ بِالْجِرْمِ الْفَارِقِ بَيْنَ جِرْمَيْنِ، وَفِي قَوْلِهِ: (عَذابٌ شَدِيدٌ) شَبَّهَ مَا يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنْ ضِيقِ الْعَذَابِ وَأَلَمِهِ بِالْمَشْدُودِ الْمُوَثقِ الْمُضَيَّقِ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ:

(يُصَوِّرُكُمْ) شَبَّهَ أَمْرَهُ بِقَوْلِهِ: (كُنْ) أَوْ تَعَلُّقَ إِرَادَتِهِ بِكَوْنِهِ جَاءَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْإِحْكَامِ وَالصُّنْعِ بِمُصَوِّرٍ يُمَثِّلُ شَيْئًا، فَيَضُمُّ جِرْمًا إِلَى جِرْمٍ، وَيُصَوِّرُ مِنْهُ صُورَةً.

وَفِي قَوْلِهِ: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) جَعَلَ مَا اتَّضَحَ مِنْ مَعَانِي كِتَابِهِ، وَظَهَرَتْ آثَارُ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ مُحْكَمًا، وَشَبَّهَ الْمُحْكَمُ لِمَا فِيهِ مِنْ أُصُولِ الْمَعَانِي الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُرْجَعُ إِلَيْهَا بِالْأُمِّ التي يرجع إِلَيْهَا مَا تَفَرَّعَ مِنْ نَسْلِهَا وَيَؤُمُّونَهَا، وَشَبَّهَ مَا خَفِيَتْ مَعَانِيهِ لِاخْتِلَافِ أَنْحَائِهِ كَالْفَوَاتِحِ، وَالْأَلْفَاظَ الْمُحْتَمِلَةَ مَعَانِيَ شَتَّى، وَالْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى أَمْرِ الْمَعَادِ وَالْحِسَابِ بِالشَّيْءِ الْمُشْتَبَهِ الْمُلْبَسِ أَمْرُهُ الَّذِي وَجَمَ الْعَقْلُ عَنْ تَكْيِيفِهِ

وَفِي قَوْلِهِ: (فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) شَبَّهَ الْقَلْبَ الْمَائِلَ عَنِ الْقَصْدِ بِالشَّيْءِ الزَّائِغِ عَنْ مَكَانِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: (وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) شَبَّهَ الْمَعْقُولَ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ إِرَادَةِ الْخَيْرِ، بِالْمَحْسُوسِ مِنَ الْأَجْرَامِ مِنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي الْهِبَةِ وَفِي قَوْلِهِ: (وَقُودُ النَّارِ) شَبَّهَهُمْ بِالْحَطَبِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا فِي الْوَقُودِ.

وَقَالَ تَعَالَى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) وَالْحَصَبُ الْحَطَبُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) شَبَّهَ إِحَاطَةَ عَذَابِهِ بِهِمْ بِالْمَأْخُوذِ بِالْيَدِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ بِحُكْمِ إِرَادَةِ الْأَخْذِ.

وَقِيلَ: هَذِهِ كُلُّهَا اسْتِعَارَاتٌ، وَلَا تَشْبِيهَ فِيهَا إِلَّا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ.

وَالِاخْتِصَاصُ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا فِي قَوْلِهِ: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) إِلَى (وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) عَلَى مَنْ فَسَّرَهُ بِالزَّبُورِ، وَاخْتَصَّ الْأَرْبَعَةَ دُونَ بَقِيَّةِ مَا أَنْزَلَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْكُتُبِ إِذْ ذَاكَ: الْمُؤْمِنُونَ، وَالْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَفِي قَوْلِهِ: (لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) خَصَّهُمَا لِأَنَّهُمَا أَكْبَرُ مَخْلُوقَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لَنَا، وَلِأَنَّهُمَا مَحَلَّانِ لِلْعُقَلَاءِ، وَلِأَنَّ مِنْهُمَا أَكْثَرَ الْمَنَافِعِ الْمُخْتَصَّةِ بِعِبَادِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (وَالرَّاسِخُونَ) اخْتَصَّهُمْ بِخُصُوصِيَّةِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بهم وفي قوله: (أُولُوا الْأَلْبابِ) لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ لَهُمْ خصوصية التمييز، والنظر،

وَالِاعْتِبَارِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنا) اخْتَصَّ الْقُلُوبَ لِأَنَّ بِهَا صَلَاحَ الْجَسَدِ وَفَسَادِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّهَا مَحَلُّ الْإِيمَانِ وَمَحَلُّ الْعَقْلِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَفِي قَوْلِهِ: (إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ) هو جَامِعُهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحْيَاءً وَفِي بَطْنِهَا أَمْوَاتًا، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْجَمْعَ الْأَكْبَرَ، وَهُوَ الْحَشْرُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا جَامِعَ إِلَّا هُوَ تَعَالَى.

وَفِي قَوْلِهِ: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) اخْتَصَّ الْكُفَّارَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَهَا فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، فَهُمْ يَجْنُونَ ثَمَرَتَهَا فِي الْآخِرَةِ، وَتَنْفَعُهُمْ أَوْلَادُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، يَسْقُونَهُمْ وَيَكُونُونَ لَهُمْ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، وَيُشَفَّعُونَ فِيهِمْ إِذَا مَاتُوا صِغَارًا، وَيَنْفَعُونَهُمْ بِالدُّعَاءِ الصَّالِحِ كِبَارًا. وَكُلُّ هَذَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ.

وَفِي قَوْلِهِ: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ، وَقَدَّمَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ طُغْيَانًا، وَأَعْظَمُهُمْ تَعَنُّتًا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا.

وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ، فِي قَوْلِهِ: (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: من الكتب (وأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) أَيْ: وَأَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ، لِأَنَّ الْإِنْزَالَيْنِ فِي زَمَانَيْنِ هُدًى لِلنَّاسِ أَيِ: الَّذِينَ أَرَادَ هُدَاهُمْ: عَذابٌ شَدِيدٌ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (ذُو انْتِقامٍ) أَيْ مِمَّنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أَيْ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا

(الْعَزِيزُ) أَيْ: فِي مُلْكِهِ.

(الْحَكِيمُ) أَيْ فِي صُنْعِهِ (وَأُخَرُ) أَيْ: آيَاتٌ أُخَرُ (زَيْغٌ) أَيْ عَنِ الْحَقِّ (ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) أَيْ: لَكُمْ (وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) أَيْ: عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنْهُ (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) أَيْ: عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَطْلُوبَةِ (رَبَّنا) أَيْ يا رَبَّنَا (لَا تُزِغْ قُلُوبَنا) أَيْ: عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ (إِذْ هَدَيْتَنا) أَيْ: إِلَيْهِ (كَذَّبُوا بِآياتِنا) أَيِ: الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ، أَوِ الْمَنْصُوبَاتِ عَلَمًا عَلَى التَّوْحِيدِ (بِذُنُوبِهِمْ) أَيِ السَّالِفَةِ.

وَالتَّكْرَارُ: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ) (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) .

كُرِّرَ لِاخْتِلَافِ الْإِنْزَالِ، وَكَيْفِيَّتِهِ، وَزَمَانِهِ (بِآيَاتِ اللَّهِ) ، وَاللَّهُ كَرَّرَ اسْمَهَ تَعَالَى تَفْخِيمًا، لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الْمُظْهَرِ مِنَ التَّفْخِيمِ مَا لَيْسَ فِي الْمُضْمَرِ.

(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ) . كَرَّرَ الْجُمْلَةَ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِقْرَارِ ذَلِكَ فِي النُّفُوسِ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ.

(ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) . كُرِّرَ لِاخْتِلَافِ التَّأْوِيلَيْنِ، أَوْ لِلتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ التَّأْوِيلِ.

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ) (رَبَّنَا إِنَّكَ) . كَرَّرَ الدُّعَاءَ تَنْبِيهًا عَلَى مُلَازَمَتِهِ، وَتَحْذِيرًا مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الِافْتِقَارِ.

وَالتَّقْدِيِمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَذَلِكَ فِي ذِكْرِ إِنْزَالِ الْكُتُبِ، لَمْ يَجِيءِ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الزَّمَانِ، إِذِ التَّوْرَاةُ أَوَّلًا، ثُمَّ الزَّبُورُ، ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، ثُمَّ الْقُرْآنُ.

وَقُدِّمَ الْقُرْآنُ لِشَرَفِهِ، وَعِظَمِ ثَوَابِهِ وَنَسْخِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَبَقَائِهِ، وَاسْتِمْرَارِ حُكْمِهِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ. وَثَنَى بِالتَّوْرَاةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الْكَثِيرَةِ، وَالْقَصَصِ، وَخَفَايَا الِاسْتِنْبَاطِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) قَدَّمَ الْأَرْضَ عَلَى السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ أَكْثَرَ فِي الْعَوَالِمِ، وَأَكْبَرَ فِي الْأَجْرَامِ، وَأَكْبَرَ فِي الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ، وَأَجْزَلَ فِي الْفَضَائِلِ لِطَهَارَةِ سُكَّانِهَا، بِخِلَافِ سُكَّانِ الْأَرْضِ، لِيُعْلِمَهُمُ، اطِّلَاعَهُ عَلَى خَفَايَا أُمُورِهِمْ، فَاهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ مَحَلِّهِمْ عَسَى أَنْ يَزْدَجِرُوا عَنْ قَبِيحِ أَفْعَالِهِمْ، لِأَنَّهُ إِذَا أَنْبَهَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، اسْتَحْيَا مِنْهُ.

وَالِالْتِفَاتُ (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ) ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَفِي قَوْلِهِ: (كَذَّبُوا بِآياتِنا) ثُمَّ قَالَ (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) .

وَالتَّأْكِيدُ: (وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) فَأَكَّدَ بِلَفْظَةِ: هُمْ، وَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ) قَوْلَهُ (لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ) وَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) قَوْلَهُ (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) .

وَالتَّوَسُّعُ بِإِقَامَةِ الْمَصْدَرِ مَقَامَ اسْمِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: (هُدًى) ، وَالْفَرْقَانِ)، أَيْ: هَادِيًا، وَالْفَارِقُ. وَبِإِقَامَةِ الْحَرْفِ مَقَامَ الظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: (مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ، عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوَّلَ: مِنْ، بِمَعْنَى: عِنْدَ.

وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ فِي قَوْلِهِ: (وَهَبْ، وَالْوَهَّابُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت