فهرس الكتاب

الصفحة 3600 من 4059

{آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91)فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ(92)}

وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (آلْآنَ) إِلَى آخِرِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لَهُ عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ. فَقِيلَ: هُوَ جِبْرِيلُ.

وَقِيلَ: مِيكَائِيلُ.

وَقِيلَ: غَيْرُهُمَا، لِخِطَابِهِ (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) .

وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ فِي نَفْسِهِ وَإِفْسَادِهِ وَإِضْلَالِهِ النَّاسَ، وَدَعْوَاهُ الرُّبُوبِيَّةَ (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) .

(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ)

الظَّاهِرُ أَنَّهُ خَبَرٌ.

وَقِيلَ: هو استفهام فِيهِ تَهْدِيدٌ أَيْ: أَفَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ؟ فَهَلَّا كَانَ الْإِيمَانُ قَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْهَلَاكِ، وَهَذَا بَعِيدٌ لِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلِقَوْلِهِ: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لا يناسب هنا الِاسْتِفْهَامَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (نُنَجِّيكَ) نُلْقِيكَ بِنَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، وَبِبَدَنِكَ بِدِرْعِكَ، وَكَانَ مِنْ لُؤْلُؤٍ مَنْظُومٍ لَا مِثَالَ لَهُ.

وَقِيلَ: مِنْ ذَهَبٍ.

وَقِيلَ: مِنْ حَدِيدٍ وَفِيهَا سَلَاسِلُ مِنْ ذَهَبٍ.

وَالْبَدَنُ: بَدَنُ الْإِنْسَانِ، وَالْبَدَنُ الدِّرْعُ الْقَصِيرَةُ. قَالَ:

تَرَى الْأَبْدَانَ فِيهَا مُسْبَغَاتٍ ... عَلَى الْأَبْطَالِ وَالْكَلْبِ الْحَصِينَا

يَعْنِي: الدُّرُوعَ.

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كرب:

أَعَاذِلَ شَكَّتِي بَدَنِي وَسَيْفِي ... وَكُلُّ مُقَلِّصٍ سَلِسِ الْقِيَادِ

وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِنْ ذَهَبٍ يُعْرَفُ بِهَا.

وَقِيلَ: نُلْقِيكَ بِبَدَنِكَ عُرْيَانًا لَيْسَ عَلَيْكَ ثِيَابٌ وَلَا سِلَاحٌ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إِهَانَتِهِ.

وَقِيلَ: نُخْرِجُكَ صَحِيحًا لَمْ يَأْكُلْكَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ.

وَقِيلَ: بِدْنًا بِلَا رُوحٍ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقِيلَ: نُخْرِجُكَ مِنْ مُلْكِكَ وَحِيدًا فَرِيدًا.

وَقِيلَ: نُلْقِيكَ فِي الْبَحْرِ مِنَ النَّجَاءِ، وَهُوَ مَا سَلَخْتَهُ عَنِ الشَّاةِ أَوْ أَلْقَيْتَهُ عَنْ نَفْسِكَ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ سِلَاحٍ.

وَقِيلَ: نَتْرُكُكَ حَتَّى تَغْرَقَ، وَالنَّجَاءُ التَّرْكُ.

وَقِيلَ: نَجْعَلُكَ عَلَامَةً، وَالنَّجَاءُ الْعَلَامَةُ.

وَقِيلَ: نُغْرِقُكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَجَّى الْبَحْرُ أَقْوَامًا إِذَا أَغْرَقَهُمْ.

وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّجَاةِ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ أَيْ: نُسْرِعُ بِهَلَاكِكَ.

وَقِيلَ: مَعْنَى بِبَدَنِكَ بِصُورَتِكَ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا، وَكَانَ قَصِيرًا أَشْقَرَ أَزْرَقَ قَرِيبَ اللِّحْيَةِ مِنَ الْقَامَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ شَبِيهٌ لَهُ يَعْرِفُونَهُ بِصُورَتِهِ، وَبِبَدَنِكَ إِذَا عُنِيَ بِهِ الْجُثَّةُ تَأْكِيدٌ كَمَا تَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ بِلِسَانِهِ وَجَاءَ بِنَفْسِهِ.

وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: (نُنْجِيكَ) مُخَفَّفًا مُضَارِعُ أَنْجَى.

وَقَرَأَ أُبَيٌّ، وَابْنُ السَّمَيْفَعِ، وَيَزِيدُ الْبَرْبَرِيُّ: (نُنَحِّيكَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ. وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْ: نُلْقِيكَ بِنَاحِيَةٍ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ.

قَالَ كَعْبٌ: رَمَاهُ الْبَحْرُ إِلَى الساحل كأنه ثور.

وَقَرَأَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِأَبْدَانِكَ أَيْ بِدُرُوعِكَ، أَوْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ بَدَنًا كَقَوْلِهِمْ: شَابَتْ مَفَارِقُهُ.

وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ السَّمَيْفَعِ: بِنِدَائِكَ مَكَانَ بِبَدَنِكَ، أَيْ: بِدُعَائِكَ، أَيْ بِقَوْلِكَ آمَنْتُ إِلَى آخِرِهِ. لِنَجْعَلَكَ آيَةً مَعَ نِدَائِكَ الَّذِي لَا يَنْفَعُ، أَوْ بِمَا نَادَيْتَ بِهِ فِي قَوْمِكَ. (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ) (فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) و (يا أيها الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .

وَلَمَّا كَذَّبَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِغَرَقِ فِرْعَوْنَ رَمَى بِهِ الْبَحْرُ عَلَى سَاحِلِهِ حَتَّى رَأَوْهُ قَصِيرًا أَحْمَرَ كَأَنَّهُ ثَوْرٌ.

(لِمَنْ خَلْفَكَ)

لِمَنْ وَرَاءَكَ عَلَامَةً وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّ فِرْعَوْنَ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ أَنْ يَغْرَقَ، وَكَانَ مَطْرَحُهُ عَلَى مَمَرِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى قِيلَ (لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) .

وَقِيلَ: لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ الْقُرُونِ.

وَقِيلَ: لِمَنْ بَقِيَ مِنْ قِبْطِ مِصْرَ وغيرهم.

وقرئ: (لِمَنْ خَلَفَكَ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَالْفَرَاعِنَةِ لِيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، وَيَحْذَرُوا أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَكَ إِذَا فَعَلُوا فِعْلَكَ.

وَمَعْنَى كَوْنِهِ آيَةً: أَنْ يَظْهَرَ لِلنَّاسِ عُبُودِيَّتُهُ وَمَهَانَتُهُ، أَوْ لِيَكُونَ عِبْرَةً يَعْتَبِرُ بِهَا الْأُمَمُ.

وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ: (لِمَنْ خَلَقَكَ) مِنَ الْخَلْقِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَيْ: لِيَجْعَلَكَ اللَّهُ آيَةً لَهُ فِي عِبَادِهِ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلَى السَّاحِلِ وَحْدَكَ، وَتَمْيِيزُكَ مِنْ بَيْنِ الْمُغْرَقِينَ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُكَ، وَلِئَلَّا يَقُولُوا لِادِّعَائِكَ الْعَظَمَةَ: إِنَّ مِثْلَهُ لَا يَغْرَقُ وَلَا يَمُوتُ، آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ.

(وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) ظَاهِرُهُ النَّاسُ كَافَّةً. قَالَهُ الْحَسَنُ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَنْ آيَاتِنَا أَيِ: العلامات الدالة على الوحدانية وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْعَلِيِّ.

(لَغَافِلُونَ) لَا يَتَدَبَّرُونَ، وَهَذَا خَبَرٌ فِي ضِمْنِهِ تَوَعَّدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت