فهرس الكتاب

الصفحة 3897 من 4059

{لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(18)}

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ هَذَا الْمَثَلَ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ انْتَقَلَ إِلَى مَا لِأَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الثَّوَابِ، وَأَهْلِ الْبَاطِلِ مِنَ الْعِقَابِ، فَقَالَ: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى) أَيْ: الَّذِينَ دَعَاهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابُوا إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنِ اتِّبَاعِ دِينِهِ الْحَالَةَ الْحُسْنَى، وَذَلِكَ هُوَ النَّصْرُ فِي الدُّنْيَا وَمَا اخْتُصُّوا بِهِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَزَاءُ الْحُسْنَى وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَيَاةُ الْحُسْنَى مَا فِي الطِّيبَةِ.

وَقِيلَ: الْجَنَّةُ لِأَنَّهَا فِي نِهَايَةِ الْحُسْنَى.

وَقِيلَ: الْمُكَافَأَةُ أَضْعَافًا.

وَعَلَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ (لِلَّذِينَ) بِقَوْلِهِ (يَضْرِبُ) فَقَالَ: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا) متعلقة بـ (يضرب) أَيْ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا، وَلِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا أَيْ: هُمَا مَثَلَا الْفَرِيقَيْنِ.

و (الحسنى) صِفَةٌ لِمَصْدَرِ اسْتَجَابُوا أَيْ: اسْتَجَابُوا الِاسْتِجَابَةَ الْحُسْنَى.

وَقَوْلُهُمْ: لَوْ أَنَّ لَهُمْ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، ذَكَرَ مَا أُعِدَّ لِغَيْرِ الْمُسْتَجِيبِينَ انْتَهَى.

وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ فِيهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِمَثَلِ هَذَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَرَبَ أَمْثَالًا كَثِيرَةً فِي هَذَيْنِ وَفِي غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهُ فِيهِ ذِكْرُ ثَوَابِ الْمُسْتَجِيبِينَ بِخِلَافِ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَكَمَا ذَكَرَ مَا لِغَيْرِ الْمُسْتَجِيبِينَ مِنَ الْعِقَابِ، ذَكَرَ مَا لِلْمُسْتَجِيبِينَ مِنَ الثَّوَابِ.

وَلِأَنَّ تَقْدِيرَهُ الِاسْتِجَابَةَ الْحُسْنَى مشعر بتقييد الاستجابة، ومقابلتها لَيْسَ نَفْيَ الِاسْتِجَابَةِ مُطْلَقًا، إِنَّمَا مُقَابِلُهَا نَفْيُ الِاسْتِجَابَةِ الْحُسْنَى، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَفَى الِاسْتِجَابَةَ مُطْلَقًا. وَلِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) كَلَامًا مُفْلَتًا مِمَّا قَبْلَهُ، أَوْ كَالْمُفْلَتِ، إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ. لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ، فَلَوْ كَانَ التَّرْكِيبُ بِحَرْفٍ رَابَطَ لَوْ بِمَا قَبْلَهَا زَالَ التَّفَلُّتُ، وَأَيْضًا فَيُوهِمُ الِاشْتِرَاكَ فِي الضَّمِيرِ، وَإِنْ كَانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْكَافِرِينَ مَعْلُومًا لَهُمْ.

وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ هَذَا التَّرْكِيبُ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ قَوْلِهِ: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ معه لافتدوا به)

و (سوء الْحِسَابِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْ لَا تُقْبَلَ حَسَنَاتُهُمْ وَلَا تُغْفَرَ سَيِّئَاتُهُمْ.

وَقَالَ النخعي وشهر وفرقد: يُحَاسَبَ عَلَى ذُنُوبِهِ كُلِّهَا، وَيُحَاسَبَ وَيُؤَاخَذَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ شَيْءٌ.

وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ: الْمُنَاقَشَةُ.

وَقِيلَ: لِلتَّوْبِيخِ عِنْدَ الْحِسَابِ وَالتَّقْرِيعِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت