فهرس الكتاب

الصفحة 948 من 4059

(فصل)

وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِ الْأَهِلَّةِ، وَفَائِدَتِهَا فِي تَنَقُّلِهَا مِنَ الصِّغَرِ إِلَى الْكِبَرِ، وَكَانَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبِ، فَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ، وَأُجِيبُوا بِأَنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ كَوْنُهَا جُعِلَتْ مَوَاقِيتَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَمُعَامَلَاتِهِمْ وَدِيَانَاتِهِمْ، وَمِنْ أَعْظَمِ فَائِدَتِهَا كَوْنُهَا مَوَاقِيتَ لِلْحَجِّ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا، فَرُدَّ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأُمِرُوا بِأَنْ يَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَأُخْبِرُوا أَنَّ الْبِرَّ هُوَ فِي تَقْوَى اللَّهِ، ثُمَّ أُمِرُوا بِالتَّقْوَى رَاجِينَ لِلْفَلَاحِ عِنْدَ حُصُولِهَا، ثُمَّ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَنُهُوا عَنِ الِاعْتِدَاءِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ مَنِ اعْتَدَى، ثُمَّ أُمِرُوا بِقَتْلِ مَنْ ظَفِرُوا بِهِ، وَبِإِخْرَاجِ مَنْ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَخْرَجُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْفِتْنَةَ فِي الدِّينِ أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْوَطَنِ، أَوْ بِالتَّعْذِيبِ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، لِأَنَّ فِي الْقَتْلِ رَاحَةً مِنْ هَذَا كُلِّهِ، ثُمَّ لَمَّا تَضَمَّنَ الْأَمْرُ بِالْإِخْرَاجِ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أُخْرِجُوا مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَتِهِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ نُهُوا عَنْ مُقَاتَلَتِهِمْ فِيهِ إِلَّا إِنْ قَاتَلُوكُمْ، وَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلَامًا، ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى بِقَتْلِهِمْ إِذَا نَاشَبُوا الْقِتَالَ، وَكَانَ فِيهِ بِشَارَةٌ بِأَنَّا نَقْتُلُهُمْ، إِذْ أَمَرَنَا بِقَتْلِهِمْ لَا بِقِتَالِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُ الْإِنْسَانَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِهِ، ثم ذكر أن من كَفَرَ بِاللَّهِ فَمِثْلُ هَذَا الْجَزَاءِ جَزَاؤُهُ مِنْ مُقَاتَلَتِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ وَطَنِهِ وَقَتْلِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنِ انْتَهَى عَنِ الْكُفْرِ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ، فِيمَا سَبَقَ، مُقَيَّدًا مَرَّةً بِمَنْ قَاتَلَ، وَمَرَّةً بِمَكَانٍ حَتَّى يُبْدَأَ بِالْقِتَالِ فِيهِ، أَمَرَهُمْ بِالْقِتَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَعِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ، فَنَسَخَ هَذَا الْأَمْرُ تِلْكَ الْقُيُودَ، وَصَارَ مُغَيًّا أَوْ مُعَلَّلًا بِانْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ وَخُلُوصِ الدِّينِ لِلَّهِ، وَخَتَمَ هَذَا الْأَمْرَ بِأَنَّ مَنِ انْتَهَى وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا اعْتِدَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَهُمُ الْكَافِرُونَ، كَمَا خَتَمَ الْأَمْرَ السَّابِقَ بِأَنَّ مَنِ انْتَهَى عَنِ الْكُفْرِ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ فِيهِ، وَهُوَ شَهْرُ ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ فِيهِ حِينَ خَرَجُوا لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ جَائِزٌ لَكُمْ بِسَبَبِ هَتْكِهِمْ حُرْمَتَهُ فِيهِ حِينَ قَاتَلُوكُمْ فِيهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْبَيْتِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَاقْتَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ هَتَكَ أَيَّ حُرْمَةٍ اقْتُصَّ مِنْهُ بِأَنْ تُهْتَكَ لَهُ حُرْمَةٌ، فَكَمَا هَتَكُوا حُرْمَةَ شَهْرِكُمْ لَا تُبَالُوا بِهَتْكِ حُرْمَتِهِ لَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْمُجَازَاةِ لِمَنِ اعْتَدَى عَلَيْنَا بِعُقُوبَةٍ مِثْلِ عُقُوبَتِهِ، تأكيد لِمَا سَبَقَ، وَأَمَرَ بِالتَّقْوَى، فَلَا يُوقِعُ فِي الْمُجَازَاةِ غَيْرَ مَا سَوَّغَهُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ تَعَالَى مَعَ مَنِ اتَّقَى، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهُوَ الْمَنْصُورُ عَلَى عَدُوِّهِ، ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فِي سَبِيلِهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ، وَأَنْ لَا يَخْلُدَ إِلَى الدَّعَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي إِصْلَاحِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَالْإِخْلَادِ إِلَيْهَا، وَنَهَانَا عَنِ الِالْتِبَاسِ بِالدَّعَةِ وَالْهُوَيْنَا فَنَضْعُفَ عَنْ أَعْدَائِنَا، ويقوون هم علينا، فيؤول أَمْرُنَا مَعَهُمْ لِضَعْفِنَا وَقُوَّتِهِمْ إِلَى هَلَاكِنَا، وَفِي هَذَا الْأَمْرِ وَهَذَا النَّهْيِ مِنَ الْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ مَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ أَمَرَهُمْ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ مَنْ أَحْسَنَ، ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِأَنْ يَأْتُوا بِهِمَا تَامَّيْنِ كَامِلَيْنِ بِمَنَاسِكِهِمَا وَشَرَائِطِهِمَا، وَأَنْ يَكُونَ فِعْلُ ذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَشُوبُ فِعْلَهَا رِيَاءٌ وَلَا سُمْعَةٌ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ يَحُجُّونَ لِبَعْضِ أَصْنَامِهِمْ، فَأُمِرُوا بِإِخْلَاصِ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى.

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ وَحُبِسَ عَنْ إِتْمَامِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَسُرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَالْهَدْيُ يَشْمَلُ: الْبَعِيرَ، وَالْبَقَرَةَ، وَالشَّاةَ، ثُمَّ نَهَى عَنْ حَلْقِ الرَّأْسِ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وَالَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ فِي الْهَدْيِ أَنَّ مَحِلَّهُ هُوَ الْحَرَمُ، فَخُوطِبُوا بِمَا كَانَ سَابِقًا لَهُمْ عَلِمُهُ بِهِ، وَلَمَّا غَيَّا الْحَلْقَ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْغَايَةِ مِنْ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ، وَكَانَ قَدْ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مَا يَقْتَضِي حَلْقَ رَأْسِهِ لِمَرَضٍ أَوْ أَذًى بِرَأْسِهِ مِنْ قُمَّلٍ أَوْ قَرْحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَوْجَبَ تَعَالَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِدْيَةً مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ. وبين رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا انْبَهَمَ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي حديث كعب بن عجرة عَلَى مَا مَرَّ تَفْسِيرُهُ.

وَاقْتَضَى هَذَا التَّرْكِيبُ التَّخْيِيرَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا آمِنِينَ، وَتَمَتَّعَ أَحَدُهُمْ بِالْعُمْرَةِ إِلَى وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَقَدْ فَسَّرْنَا مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ بِتَعَذُّرِ ثَمَنِ الْهَدْيِ، أَوْ فِقْدَانِ الْهَدْيِ، فَيَلْزَمُهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، أَيْ: فِي زَمَنِ وُقُوعِ الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ، وَإِنِ اخْتَلَفَ زَمَانُ صِيَامِهَا، فَمِنْهَا مَا يَصُومُهُ وَهُوَ مُلْتَبِسٌ بِهَذِهِ الطَّاعَةِ الشَّرِيفَةِ، وَمِنْهَا مَا يَصُومُهُ غَيْرَ مُلْتَبِسٍ بِهَا، لَكِنَّ الْجَمِيعَ كَامِلٌ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرَ، إِذْ هُوَ مُمَثِّلٌ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَلَا فَرْقَ فِي الثَّوَابِ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِإِيقَاعِهِ فِي الْحَجِّ، وَمَا أَمَرَ بِإِيقَاعِهِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ.

ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا التَّمَتُّعَ، وَلَازِمَهُ مِنَ الْهَدْيِ أَوِ الصَّوْمِ، هُوَ مَشْرُوعٌ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ، ثُمَّ لَمَّا تَقَدَّمَ مِنْهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أوامر ونواهي، كَرَّرَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى، وَأَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَالَى شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ خَالَفَ مَا شَرَعَ تَعَالَى.

وَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَدِيدَةُ الِالْتِئَامِ، مُسْتَحْكِمَةُ النِّظَامِ، منسوقا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا كَنَسَقِ اللَّآلِئِ مُشْرِقَةُ الدَّلَالَةِ وَلَا كَإِشْرَاقِ الشَّمْسِ فِي بُرْجِهَا الْعَالِي. سَامِيَةٌ فِي الْفَصَاحَةِ إِلَى أَعَالِي الذُّرَى، مُعْجِزَةٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهَا أحد من الورى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت