(فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ)
ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: (أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ)
وقال الْجُمْهُورِ: إِنِ اخْتَرْتَ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي (بَيْنَهُمْ) عَائِدًا عَلَى الْيَهُودِ، وَيَكُونُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَمْرَ نَدْبٍ، وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْمُتَحَاكِمِينَ عُمُومًا، فَالْخِطَابُ لِلْوُجُوبِ وَلَا نَسْخَ.
(وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ)
أَيْ لَا تُوَافِقْهُمْ فِي أَغْرَاضِهِمُ الْفَاسِدَةِ مِنَ التَّفْرِيقِ فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَهْوَائِهِمُ الَّتِي هِيَ رَاجِعَةٌ لِغَيْرِ الدِّينِ وَالشَّرْعِ.
(عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ)
الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ. وَضُمِّنَ تَتَّبِعْ مَعْنَى تَنْحَرِفْ، أَوْ تَنْصَرِفْ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَنْ أَيْ: لَا تَنْحَرِفْ أَوْ تَتَزَحْزَحْ عَمَّا جَاءَكَ مُتَّبِعًا أَهْوَاءَهُمْ، أَوْ بِسَبَبِ أَهْوَائِهِمْ.
(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا)
الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُضَافُ إِلَيْهِ كُلٍّ الْمَحْذُوفُ هُوَ: أُمَّةٌ أَيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ.
وَالْخِطَابُ فِي (مِنْكُمْ) لِلنَّاسِ أَيْ: أَيُّهَا النَّاسُ لِلْيَهُودِ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجٌ، وَلِلنَّصَارَى كَذَلِكَ.
قَالَهُ: عَلِيٌّ، وَقَتَادَةُ وَالْجُمْهُورُ، وَيَعْنُونَ فِي الْأَحْكَامِ.
وَأَمَّا الْمُعْتَقَدُ فَوَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ تَوْحِيدٌ، وَإِيمَانٌ بِالرُّسُلِ، وَكُتُبِهَا وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْمَعَادِ، وَالْجَزَاءِ الْأُخْرَوِيِّ.
وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ شَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ ثُمَّ قَالَ: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) وَالْمَعْنَى فِي الْمُعْتَقَدَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أن يكون الْمُرَادُ الْأَنْبِيَاءَ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَذِكْرُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَتَجِيءُ الْآيَةُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ تَنْبِيهًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ: فَاحْفَظْ شَرْعَكَ وَمِنْهَاجَكَ لِئَلَّا تَسْتَزِلَّكَ الْيَهُودُ وَغَيْرُهُمْ فِي شَيْءٍ منه. انْتَهَى.
فَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ، أَيْ: لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْأَنْبِيَاءُ.
وَالشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ لَفْظَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ أَيْ: طَرِيقًا، وَكَرَّرَ لِلتَّوْكِيدِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا: سَبِيلًا وَسُنَّةً.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ دِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لِكُلٍّ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلْنَا هَذَا الدِّينَ الْخَالِصَ فَاتَّبِعُوهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِنَّا أَمَرْنَاكُمْ بِاتِّبَاعِ دِينِ مُحَمَّدٍ إِذْ هُوَ نَاسِخٌ لِلْأَدْيَانِ كُلِّهَا.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الشِّرْعَةُ ابْتِدَاءُ الطَّرِيقِ، وَالْمِنْهَاجُ الطَّرِيقُ الْمُسْتَمِرُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الشِّرْعَةُ الطَّرِيقُ الَّذِي رُبَّمَا كَانَ وَاضِحًا وَغَيْرَ وَاضِحٍ، وَالْمِنْهَاجُ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاضِحًا.
وَقِيلَ: الشِّرْعَةُ الدِّينُ، وَالْمِنْهَاجُ الدَّلِيلُ.
وَقِيلَ: الشِّرْعَةُ النَّبِيُّ، وَالْمِنْهَاجُ الْكِتَابُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالْمِنْهَاجُ بِنَاءُ مُبَالَغَةٍ مِنَ النَّهْجِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالشِّرْعَةِ الْأَحْكَامُ، وَبِالْمِنْهَاجِ الْمُعْتَقَدُ أَيْ هُوَ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِكُمْ، وَفِي هَذَا الِاحْتِمَالِ بُعْدٌ انْتَهَى.
قِيلَ: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً)
أَيْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلَكُمُوهَا أَيْ جَمَاعَةً مُتَّفِقَةً عَلَى شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الضَّلَالِ.
وَقِيلَ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْحَقِّ.
(وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ)
أَيْ: وَلَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ مِنَ الْكُتُبِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ، لِأَنَّهُ أَرَادَ اخْتِبَارَهُمْ وَابْتِلَاءَهُمْ فِيمَا آتَاهُمْ مِنَ الْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ، فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَجِدُوا فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ.
(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)
أَيِ ابْتَدِرُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، وَهِيَ الَّتِي عَاقِبَتُهَا أَحْسَنُ الْأَشْيَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: الْخَيْرَاتُ الْإِيمَانُ بِالرَّسُولِ.
(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)
هُوَ اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِأَمْرِهِ تَعَالَى بِاسْتِبَاقِ الْخَيْرَاتِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: يُظْهِرُ ثَمَرَةَ اسْتِبَاقِ الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا فِي وَقْتِ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمُجَازَاتِهِ.
(فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)
أَيْ فَيُخْبِرُكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُجَازَاةِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَهُوَ إِخْبَارُ إِيقَاعٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا بِالدَّلَالَةِ وَالْحُجَجِ، وَغَدًا يُبَيِّنُهُ بِالْمُجَازَاةِ انْتَهَى.
وَبِهَذَا التَّنْبِيهِ يَظْهَرُ الْفَضْلُ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، وَالْمُسْبِقِ وَالْمُقَصِّرِ فِي الْعَمَلِ.