(لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ)
اللَّامُ لَامُ كَيْ، وَتَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (فَأَثَابَكُمْ) فَقِيلَ: (لَا) زَائِدَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاغْتِمَامِ انْتِفَاءُ الْحُزْنِ. فَالْمَعْنَى: عَلَى أَنَّهُ غَمَّهُمْ لِيُحْزِنَهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ مُوَافَقَتِهِمْ قَالَهُ: أَبُو الْبَقَاءِ وَغَيْرُهُ. وَتَكُونُ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) إِذْ تَقْدِيرُهُ: لِأَنْ يَعْلَمَ. وَيَكُونُ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهُمْ، وَزَجْرًا أَنْ يَعُودُوا لِمِثْلِهِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ (لَا) ثَابِتَةٌ عَلَى مَعْنَاهَا مِنَ النَّفْيِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِ الْإِثَابَةِ بِانْتِفَاءِ الْحُزْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ.
فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا لِتَتَمَرَّنُوا عَلَى تَجَرُّعِ الْغُمُومِ، وَتُضْرَوْا بِاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ، فَلَا تَحْزَنُوا فِيمَا بَعْدُ عَلَى فَائِتٍ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَلَا عَلَى مُصِيبٍ مِنَ الْمَضَارِّ انْتَهَى.
فَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ ثُبُوتِيَّةً، وَهِيَ التَّمَرُّنُ عَلَى تَجَرُّعِ الْغُمُومِ وَالِاعْتِيَادِ لِاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ انْتِفَاءَ الْحُزْنِ، وَجَعَلَ ظَرْفَ الْحُزْنِ هُوَ مستقبل لا تعلق له بِقِصَّةِ أُحُدٍ، بَلْ لِيَنْتَفِيَ الْحُزْنُ عَنْكُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى لِتَعْلَمُوا أَنَّ مَا وَقَعَ بِكُمْ إِنَّمَا هُوَ بِجِنَايَتِكُمْ، فَأَنْتُمْ آذَيْتُمْ أَنْفُسَكُمْ. وَعَادَةُ الْبَشَرِ أَنَّ جَانِيَ الذَّنْبِ يَصْبِرُ لِلْعُقُوبَةِ، وَأَكْثَرُ قَلَقِ الْمُعَاقَبِ وَحُزْنِهِ إِنَّمَا وَقَعَ هُوَ مَعَ ظَنِّهِ الْبَرَاءَةَ بِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا تَفْسِيرٌ مُخَالِفٌ لِتَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا) مُتَعَلّقٌ بِقَوْلِهِ: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) وَيَكُونُ اللَّهُ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لِمَصَابِهِمْ وَعِوَضًا لَهُمْ عَنْ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْغَمِّ، لِأَنَّ عَفْوَهُ يُذْهِبُ كُلَّ غَمٍّ. وَفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الْفَصْلِ، ولأن ظاهره تعلقه بمجاور، وهو فأثابكم.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالَّذِي فَاتَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَالَّذِي أَصَابَهُمْ مِنَ الْفَشَلِ وَالْهَزِيمَةِ، وَمِمَّا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ إِصْعَادَهُمْ وَفِرَارَهُمْ مُجِدِّينَ فِي الْهَرَبِ فِي حال ادعاء الرسول صلى الله عليه وَسَلَّمَ إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْهَرَبِ وَالِانْحِيَازِ إِلَى فِئَتِهِ، كَانَ الْجِدُّ فِي الْهَرَبِ سَبَبًا لِاتِّصَالِ الْغُمُومِ بِهِمْ، وَشُغْلُهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ طَلَبًا لِلنَّجَاةِ مِنَ الْمَوْتِ، فَصَارَ ذَلِكَ أَيْ: شُغْلُهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَاغْتِمَامُهُمُ الْمُتَّصِلُ بِهِمْ مِنْ جِهَةِ خَوْفِ الْقَتْلِ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ الْحُزْنِ عَلَى فَائِتٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَمُصَابٍ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ لِإِخْوَانِهِمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: صَارُوا فِي حَالَةٍ مِنِ اغْتِمَامِهِمْ وَاهْتِمَامِهِمْ بِنَجَاةِ أَنْفُسِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَخْطُرُ لَهُمْ بِبَالٍ حُزْنٌ عَلَى شَيْءٍ فَايِتٍ وَلَا مُصَابٍ وَإِنْ جَلَّ، فَقَدْ شَغَلَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ لِيَنْتَفِيَ الْحُزْنُ مِنْهُمْ.
(وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَهْدِيدًا، وَخَصَّ الْعَمَلَ هُنَا وَإِنْ كَانَ تَعَالَى خَبِيرًا بِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالنِّيَّاتِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَعْمَالِهِمْ مِنْ تَوْلِيَةِ الْأَدْبَارِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْفِرَارِ، وَهِيَ أَعْمَالٌ تُخْشَى عَاقِبَتُهَا وَعِقَابُهَا.