(وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)
وَخَصَّ مَنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ وَعِيسَى مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ لِمَا أُوتِيَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَلِأَنَّ آيَتَيْهِمَا مَوْجُودَتَانِ، فَتَخْصِيصُهُمَا بِالذِّكْرِ طَعْنٌ عَلَى تَابِعَيْهِمَا حَيْثُ لَمْ يَنْقَادُوا لِهَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، وَوَقَعَ مِنْهُمُ الْمُنَازَعَةُ وَالْخِلَافُ.
وَنَصَّ هُنَا لِعِيسَى عَلَى الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ تَقْبِيحًا لِأَفْعَالِ الْيَهُودِ حَيْثُ أَنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ مَعَ مَا ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ الْوَاضِحَةِ، وَلَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي أُوتِيَ مَا لم يؤته أحد من كَثْرَةِ الْمُعْجِزَاتِ وَعِظَمِهَا، وَكَانَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِإِحْرَازِ قَصَبَاتِ السَّبْقِ، حُفَّ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، لِيَحْصُلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِمُجَاوَرَةِ ذِكْرِهِ الشَّرَفُ، إِذْ هُوَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةُ عِقْدِ النُّبُوَّةِ، فَيَنْزِلُ مِنْهُمَا مَنْزِلَةَ وَاسِطَةِ الْعِقْدِ الَّتِي يَزْدَانُ بِهَا مَا جَاوَرَهَا مِنَ اللَّآلِئِ، وَتَنَوَّعَ هَذَا التَّقْسِيمُ وَلَمْ يَرِدْ عَلَى أُسْلُوبٍ وَاحِدٍ، فَجَاءَتِ الْجُمْلَةُ الْأَوْلَى مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ مُصَدَّرَةً بِمِنَ الدَّالَّةِ عَلَى التَّقْسِيمِ، وَجَاءَتِ الثَّانِيَةُ فِعْلِيَّةً مُسْنَدَةً لِضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، لَا لَفْظِهِ، لِقُرْبِهِ، إِذْ لَوْ أُسْنِدَ إِلَى الظَّاهِرِ لَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، وَرَفَعَ اللَّهُ، فَكَانَ يَقْرُبُ التَّكْرَارُ، فَكَانَ الْإِضْمَارُ أَحْسَنَ.
وَفِي الْجُمْلَتَيْنِ: الْمُفَضَّلُ مِنْهُمْ لَا مُعَيَّنٌ بِالِاسْمِ، لَكِنْ يُعَيَّنُ الْأَوَّلُ صِلَةَ الْمَوْصُولِ، لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ عِنْدَ السَّامِعِ، وَيُعَيَّنُ الثَّانِي مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِدَرَجَاتٍ، وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ لَيْسَتْ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَاءَتِ الثَّانِيَةُ فِعْلِيَّةً مُسْنَدَةً لِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى سَبِيلِ الْالْتِفَاتِ، إِذْ قَبْلَهُ غَائِبٌ، وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي أَفَانِينِ الْبَلَاغَةِ وَأَسَالِيبِ الْفَصَاحَةِ.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ)
قِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذَفٌ، التَّقْدِيرُ: فَاخْتَلَفَ أُمَمُهُمْ وَاقْتَتَلُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَفْعُولُ شَاءَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ لَا تَقْتَتِلُوا.
وَقِيلَ: أَنْ لَا يَأْمُرَ بِالْقِتَالِ.
قَالَهُ الزَّجَّاجُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْ لَا تَخْتَلِفُوا الْاخْتِلَافَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقِتَالِ.
وَقِيلَ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَضْطَرَّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ فَلَمْ يقتتلوا.
وقال أبو عَلِيٍّ بِأَنْ يَسْلُبَهُمُ الْقُوَى وَالْعُقُولَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا التَّكْلِيفُ، وَلَكِنْ كَلَّفَهُمْ فَاخْتَلَفُوا بِالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: هَذِهِ مَشِيئَةُ الْقُدْرَةِ، مِثْلُ: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) وَلَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، وَشَاءَ تَكْلِيفَهُمْ فَاخْتَلَفُوا.
وَ (مِنْ بَعْدِهِمْ) صِلَةٌ لِلَّذِينَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا مِنْ بَعْدِهِمْ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الرُّسُلِ.
وَقِيلَ: عَائِدٌ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى وَأَتْبَاعِهِمَا.
وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ بَعْدِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ: مَا اقْتَتَلَ النَّاسُ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، فَلُفَّ الْكَلَامُ لَفًّا لَمْ يَفْهَمْهُ السَّامِعُ وَهَذَا كَمَا تَقُولُ:
اشْتَرَيْتُ خَيْلًا ثُمَّ بِعْتُهَا، وَإِنَّ كُنْتَ قَدِ اشْتَرَيْتَهَا فَرَسًا فَرَسًا وَبِعْتَهُ، وَكَذَلِكَ هَذَا، إِنَّمَا اخْتُلِفَ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، وَ: مِنْ بَعْدِ.
قِيلَ: بَدَلٌ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَلّقٌ بِقَوْلِهِ مَا اقْتَتَلَ، إِذْ كَانَ فِي الْبَيِّنَاتِ، وَهِيَ الدَّلَائِلُ الْوَاضِحَةُ، مَا يُفْضِي إِلَى الِاتِّفَاقِ وَعَدَمِ التَّقَاتُلِ، وَغَنِيَّةٌ عَنِ الِاخْتِلَافِ الْمُوجِبِ لِلتَّقَاتُلِ.
وَلكِنِ اخْتَلَفُوا هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ وَاضِحٌ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا ضِدٌّ لِمَا بَعْدَهَا، لِأَنَّ الْمَعْنَى:
لَوْ شَاءَ الِاتِّفَاقَ لَاتَّفَقُوا، وَلَكِنْ شَاءَ الِاخْتِلَافَ فَاخْتَلَفُوا.
(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)
مَنْ آمَنَ بِالْتِزَامِهِ دِينَ الرُّسُلِ وَاتِّبَاعِهِمْ، وَمَنْ كَفَرَ بِإِعْرَاضِهِ عَنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ حَسَدًا وَبَغْيًا وَاسْتِئْثَارًا بِحُطَامِ الدُّنْيَا.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)
قِيلَ: الْجُمْلَةُ تَكَرَّرَتْ تَوْكِيدًا لِلْأُولَى.
قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقِيلَ: لَا تَوْكِيدَ لِاخْتِلَافِ الْمَشِيئَتَيْنِ، فَالْأُولَى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقِتَالِ بِأَنْ يَسْلُبَهُمُ الْقُوَى وَالْعُقُولَ، وَالثَّانِيَةُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَأْمُرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ، وَلَكِنْ أَمَرَ وَشَاءَ أَنْ يَقْتَتِلُوا.
(فائدة)
قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ: التَّقْسِيمَ، فِي قَوْلِهِ: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) بِلَا وَاسِطَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَهُ بِوَاسِطَةٍ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ اقْتَضَاهُ الْمَعْنَى، وَفِي قَوْلِهِ (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) وَهَذَا التَّقْسِيمُ ملفوظ به. و: الاختصاص، مشارا إليه ومنصوبا عليه، و: التكرار، فِي لَفْظِ (الْبَيِّنَاتِ) ، وَفِي (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. و: الحذف، فِي قَوْلِهِ (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) أَيْ كِفَاحًا وَفِي قَوْلِهِ (يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) يَعْنِي مِنْ هِدَايَةِ مَنْ شَاءَ وَضَلَالَةِ مَنْ شَاءَ.