(لطيفة)
وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْأَرْبَعَةُ تَرْتِيبُهَا فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، بَدَأَ أولا: بإخباره تعالى لعيسى أَنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْمَاكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ وَلَا تَوَصُّلٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثَانِيًا:
بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ وَسُكْنَاهُ مَعَ مَلَائِكَتِهِ وَعِبَادَتِهِ فِيهَا، وَطُولِ عُمْرِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ.
ثُمَّ ثَالِثًا: بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمَانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وَحِينَ يُنْزِلُهُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا فَهِيَ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أَنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الْكُفَّارِ أَوَّلًا وَآخِرًا.
وَلَمَّا كَانَ التَّوَفِّي وَالرَّفْعُ كُلٌّ منهما خاص بزمان، بدئ بِهِمَا.
وَلَمَّا كَانَ التَّطْهِيرُ عَامًّا يَشْمَلُ سَائِرَ الْأَزْمَانِ أُخِّرَ عَنْهُمَا، وَلَمَّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ الْبَشَائِرِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ أَوْصَافٌ لَهُ فِي نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أَتْبَاعِهِ فَوْقَ كُلِّ كَافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، وَيُسَرَّ قَلْبُهُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مِنِ اعْتِلَاءِ تَابِعِيهِ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ أَوْصَافِ تَابِعِيهِ، تَأَخَّرَ عَنِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إِذِ الْبَدَاءَةُ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أَهَمُّ، ثُمَّ أَتْبَعَ بِهَذَا الْوَصْفِ
الرَّابِعِ عَلَى سَبِيلِ التَّبْشِيرِ بِحَالِ تَابِعِيهِ فِي الدُّنْيَا، لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ سُرُورَهُ بِمَا أُوتِيهِ، وَأُوتِيَ تَابِعُوهُ مِنَ الْخَيْرِ.
(ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)
هَذَا إِخْبَارٌ بِالْحَشْرِ وَالْبَعْثِ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ إِلَى حُكْمِي، وَهَذَا عِنْدِي مِنَ الِالْتِفَاتِ، لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ: وَهُمُ الْيَهُودُ، وَذِكْرَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ. وَأَعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذَكَرَ متبعيه الكافرين، فَلَوْ جَاءَ عَلَى نَمَطِ هَذَا السَّابِقِ لَكَانَ التَّرْكِيبُ:
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُهُمْ، وَلَكِنَّهُ الْتَفَتَ عَلَى سَبِيلِ الْخِطَابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الْإِخْبَارُ أَبْلَغَ فِي التَّهْدِيدِ، وَأَشَدَّ زَجْرًا لِمَنْ يَزْدَجِرُ.
ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إِلَيَّ، وَلَفْظَةَ: فَأَحْكُمُ، بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الْحَاكِمَ هُنَاكَ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ، وَأَتَى بِالْحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ الْمَحْكُومَ بَيْنَهُمْ إِلَى: كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ، وَذَكَرَ جَزَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مرجعكم، الخطاب لعيسى، وَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ بِالْقِيَامَةِ وَالْحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ اللَّفْظُ عَامًّا مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ لَا يَخُصُّ عِيسَى وَحْدَهُ، فَخَاطَبَهُ كَمَا يُخَاطِبُ الْجَمَاعَةَ، إِذْ هُوَ أَحَدُهَا، وَإِذْ هِيَ مُرَادَةٌ فِي الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الِالْتِفَاتِ كَمَا ذَكَرْتُهُ.