وَمِنْ غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ عَنَى بِالنَّفْسِ الرُّوحَ الْمَذْكُورَةَ فِيمَا قِيلَ أَنَّهُ
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَامِ بِكَذَا وَكَذَا سَنَةً»
وَعَنَى بِزَوْجِهَا الْبَدَنَ، وعنى بِالْخَلْقِ التَّرْكِيبَ. وَإِلَى نَحْوِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) وَقَوْلِهِ: (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ)
وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي النَّبَاتِ إِلَّا عَلَى مَعْنَى التَّرْكِيبِ.
وَبَدَأَ بِذِكْرِ الزَّوْجَيْنِ وَالْأَزْوَاجِ فِي الْأَشْيَاءِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ تَرْكِيبٍ، وَالْوَاحِدُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) عَلَى نَقْصِهَا وَكَمَالِهَا، لِكَوْنِهَا بَعْضَهُ.
(وَبَثَّ مِنْهُمَا)
أَيْ مِنْ تِلْكَ النَّفْسِ، وَزَوْجِهَا أَيْ: نَشَرَ وَفَرَّقَ فِي الْوُجُودِ.
(رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)
قِيلَ: نَكَّرَ لِمَا فِي التَّنْكِيرِ مِنَ الشُّيُوعِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالشُّيُوعِ حَتَّى صَرَّحَ بِالْكَثْرَةِ وَقَدَّمَ الرِّجَالِ لِفَضْلِهِمْ عَلَى النِّسَاءِ، وَخَصَّ رِجَالًا بِذِكْرِ الْوَصْفِ بِالْكَثْرَةِ، فَقِيلَ: حَذَفَ وَصْفَ الثَّانِي لِدَلَالَةِ وَصْفِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَنِسَاءً كَثِيرَةً.
وَقِيلَ: لَا يُقَدَّرُ الْوَصْفُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ صَحِيحًا، لِأَنَّهُ نَبَّهَ بِخُصُوصِيَّةِ الرِّجَالِ بِوَصْفِ الْكَثْرَةِ، عَلَى أَنَّ اللَّائِقَ بِحَالِهِمُ الِاشْتِهَارُ وَالْخُرُوجُ وَالْبُرُوزُ، وَاللَّائِقَ بِحَالِ النِّسَاءِ الْخُمُولُ وَالِاخْتِفَاءُ.
وَفِي تَنْوِيعِ مَا خَلَقَ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ إِلَى رِجَالٍ وَنِسَاءٍ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْخُنْثَى، إِذْ حَصَرَ مَا خَلَقَ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، فَإِنْ وُجِدَ مَا ظَاهِرُهُ الْإِشْكَالُ فَلَا بُدَّ مِنْ صَيْرُورَتِهِ إِلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)
كَرَّرَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: لِاخْتِلَافِ التَّعْلِيلِ وَذَكَرَ أَوَّلًا: الرَّبَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَثَانِيًا: اللَّهَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْقَهْرِ وَالْهَيْبَةِ. بَنَى أَوَّلًا عَلَى التَّرْغِيبِ، وَثَانِيًا عَلَى التَّرْهِيبِ. كَقَوْلِهِ: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) (ويَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا) كَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ رَبُّكَ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَاتَّقِ مُخَالَفَتَهُ، فَإِنْ لَمْ تَتَّقِهِ لِذَلِكَ فَاتَّقِهِ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
وَمَعْنَى يَتَسَاءَلُونَ بِهِ: أَيْ يَتَعَاطَوْنَ بِهِ السُّؤَالَ، فَيَسْأَلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
أَوْ يَقُولُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ، وَظَاهِرُ تَفَاعَلَ الِاشْتِرَاكُ أَيْ: تَسْأَلُهُ بِاللَّهِ، وَيَسْأَلُكَ بِاللَّهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَعْنَاهُ تَسْأَلُونَ بِهِ حُقُوقَكُمْ وَتَجْعَلُونَهُ مُعَظَّمًا لَهَا.
(فائدة)
قَرَأَ جُمْهُورُ: السَّبْعَةِ بِنَصْبِ الْمِيمِ [وَالْأَرْحَامَ] .
وَقَرَأَ حَمْزَةُ: بِجَرِّهَا [وَالْأَرْحَامِ] وَهِيَ قِرَاءَةُ النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْأَعْمَشِ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: بِضَمِّهَا، فَأَمَّا النَّصْبُ فَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، التَّقْدِيرُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ.
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَالْجَامِعُ بَيْنَ تَقْوَى اللَّهِ وَتَقْوَى الْأَرْحَامِ هَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ مَعْنَى التَّقَوَيَيْنِ، لِأَنَّ تَقْوَى اللَّهِ بِالْتِزَامِ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَاتِّقَاءَ الْأَرْحَامِ بِأَنْ تُوصَلَ وَلَا تُقْطَعَ فِيمَا يَفْضُلُ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَبِالْحَمْلِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْقَاضِي: كَيْفَ يُرَادُ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةُ؟ وَنَقُولُ أَيْضًا إِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيِ اتَّقَوُا مُخَالَفَةَ اللَّهِ.
وَفِي عَطْفِ الْأَرْحَامِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ ذَنْبِ قَطْعِ الرَّحِمِ، وَانْظُرْ إِلَى قَوْلُهُ: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى) كَيْفَ قَرَنَ ذَلِكَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ فِي أَخْذِ الْمِيثَاقِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ أَبِرُّ؟ قَالَ: أَمَّكَ وَفِيهِ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»
وَقَالَ تَعَالَى فِي ذَمِّ مَنْ أَضَلَّهُ: مِنَ الْفَاسِقِينَ (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) .