فهرس الكتاب

الصفحة 2055 من 4059

(ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ)

(ذَلِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى نِكَاحِ عَادِمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ.

وَالْعَنَتُ: هُوَ الزِّنَا. قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وابن جبير، والضحاك، وعطية الْعَوْفِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَالْعَنَتُ: أَصْلُهُ الْمَشَقَّةُ، وَسُمِّيَ الزِّنَا عَنَتًا بِاسْمِ مَا يَعْقُبُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَصْلُ الْعَنَتِ أَنْ يَحْمِلَهُ الْعِشْقُ وَالشَّبَقُ عَلَى الزِّنَا، فَيَلْقَى الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَالْحَدَّ فِي الدُّنْيَا.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالزَّجَّاجُ: الْعَنَتُ الْهَلَاكُ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْحَدُّ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْإِثْمُ الَّذِي تُؤَدِّي إِلَيْهِ غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ.

وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ لا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ. وَالَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْحُرِّ الْأَمَةَ إِلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: اثْنَانِ فِي النَّاكِحِ وَهَمَا: عَدَمُ طَوْلِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ. وَوَاحِدٌ فِي الْأَمَةِ وَهُوَ الْإِيمَانُ.

(وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ)

ظَاهِرُهُ الْإِخْبَارُ عَنْ صَبْرٍ خَاصٍّ، وَهُوَ غَيْرُ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَجِهَةُ الْخَيْرِيَّةِ كَوْنُهُ لَا يَرِقُّ وَلَدُهُ، وَأَنْ لَا يَبْتَذِلُ هُوَ، وَيُنْتَقَصُ فِي الْعَادَةِ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ.

وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ:

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ»

وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «انْكِحُوا الْأَكْفَاءَ وَاخْتَارُوا لِنُطَفِكُمْ» .

وَقِيلَ: الْمُرَادُ (وَأَنْ تَصْبِرُوا) عَنِ الزِّنَا بِنِكَاحِ الْإِمَاءِ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَلَى هَذَا فَالْخَيْرِيَّةُ ظَاهِرَةٌ. وَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ إِينَاسٌ لِنِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَتَقْرِيبٌ مِنْهُ، إِذْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَنْفِرُ عَنْهُ.

وَإِذَا جُعِلَ: وَأَنْ تَصْبِرُوا عَامًّا، انْدَرَجَ فِيهِ الصَّبْرُ الْمُقَيَّدُ وَهُوَ: عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَعَنِ الزِّنَا. إِذِ الصَّبْرُ خَيْرٌ، مِنْ عَدَمِهِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شَجَاعَةِ النَّفْسِ وَقُوَّةِ عَزْمِهَا، وَعِظَمِ إِبَائِهَا، وَشَدَّةِ حِفَاظِهَا.

وَهَذَا كُلُّهُ يَسْتَحْسِنُهُ الْعَقْلُ، وَيَنْدُبُ إِلَيْهِ الشَّرْعُ، وَرُبَّمَا أَوْجَبَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَ الصَّابِرِ مُوَفَّاةً بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العلم: إن سَائِرَ الْعِبَادَاتِ لَا بُدَّ لَهَا مَنْ الصَّبْرِ.

قَالَ تَعَالَى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) .

(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

لَمَّا نَدَبَ بِقَوْلِهِ: (وَأَنْ تَصْبِرُوا) إِلَى الصَّبْرِ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، صَارَ كَأَنَّهُ فِي حَيِّزِ الْكَرَاهَةِ، فَجَاءَ بِصِفَةِ الْغُفْرَانِ الْمُؤْذِنَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا سَامَحَ فِيهِ تَعَالَى، وَبِصِفَةِ الرَّحْمَةِ حَيْثُ رَخَّصَ فِي نِكَاحِهِنَّ وَأَبَاحَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت