فهرس الكتاب

الصفحة 2062 من 4059

(فصل)

وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ.

مِنْهَا: التَّجَوُّزُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ فِي قَوْلِهِ: (يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) لِأَنَّ أَلْ تَسْتَغْرِقُ كُلَّ فَاحِشَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَلْ بَعْضُهَا، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْبَعْضِ اسْمُ الْكُلِّ تَعْظِيمًا لِقُبْحِهِ وَفُحْشِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ فِي الْفَاحِشَةِ الزِّنَا، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِذْ تَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. وَالتَّجَوُّزُ بِالْمُرَادِ مِنَ الْمُطْلَقِ بَعْضُ مَدْلُولِهِ فِي قَوْلِهِ: (فَآذُوهُمَا) إِذْ فُسِّرَ بِالتَّعْيِيرِ أَوِ الضَّرْبِ بِالنِّعَالِ، أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَبِقَوْلِهِ: (سَبِيلًا) وَالْمُرَادُ الْحَدُّ، أَوْ رَجْمُ الْمُحْصَنِ.

وَبِقَوْلِهِ: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) أَيِ اتْرُكُوهُمَا. وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ فِي قَوْلِهِ: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) ، وَفِي قَوْلِهِ: (حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) . وَالتَّجْنِيسُ المغاير في: (فإن تَابَا) (إِنَّ اللَّهَ كَانَ توّابا) ، وفي: (أرضعنكم) و (من الرَّضَاعَةِ) ، وَفِي: (مُحْصَنَاتُ) (فَإِذَا أُحْصِنَّ) . وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا) ، وَفِي: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ) .

وَالتَّكْرَارُ فِي: اسْمِ اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ، وَفِي: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ) (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ، وَفِي: زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ، وَفِي: أُمَّهَاتُكُمْ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي، وَفِي: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، وَفِي: الْمُؤْمِنَاتِ فِي قَوْلِهِ:(الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) ، وَفِي: فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ)، وَفِي: (فريضة) و (من بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) ، وَفِي: (الْمُحْصَنَاتُ من النساء) (والمحصنات) ، و (نصف مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ) ، وَفِي: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) ، وَفِي: (يُرِيدُ) فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، وفي: (يتوب) و (أن يَتُوبَ) ، وَفِي: إِطْلَاقِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي، فِي: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) وَفِي: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) ، وَفِي: (يَعْمَلُونَ السُّوءَ) وَفِي: (ثُمَّ يَتُوبُونَ) ، وَفِي: (يُرِيدُ) وَفِي: (لِيُبَيِّنَ) ، لِأَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ وَبَيَانَهُ قَدِيمَانِ، إِذْ تِبْيَانُهُ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ وَالْإِرَادَةُ وَالْكَلَامُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ وَهِيَ قَدِيمَةٌ.

وَالْإِشَارَةُ وَالْإِيمَاءُ فِي قَوْلِهِ: (كَرْهًا) ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الإرث كرها يومئ إِلَى جَوَازِهِ طَوْعًا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنْ طِبْنَ) ، وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) فَلَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِمَصْلَحَةٍ لَهَا تَتَعَلَّقُ بِهَا، أَوْ بِمَالِهَا،

وَفِي: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) أَوْمَأَ إِلَى نِكَاحِ الْأَبْنَاءِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نِسَاءَ الْآبَاءِ، وَفِي: (أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ) إِشَارَةٌ إِلَى تَزْوِيجِ الْإِمَاءِ.

وَالْمُبَالَغَةُ فِي تَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَأْكِيدِهِ فِي قَوْلِهِ: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) عَظَّمَ الْأَمْرَ حَتَّى يُنْتَهَى عَنْهُ. وَالِاسْتِعَارَةُ فِي قَوْلِهِ: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) ، اسْتَعَارَ الْأَخْذَ لِلْوُثُوقِ بِالْمِيثَاقِ وَالتَّمَسُّكِ بِهِ، وَالْمِيثَاقُ مَعْنًى لَا يَتَهَيَّأُ فِيهِ الْأَخْذُ حَقِيقَةً، وَفِي: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) أَيْ فَرْضَ اللَّهِ، اسْتَعَارَ لِلْفَرْضِ لَفْظَ الْكِتَابِ لِثُبُوتِهِ وَتَقْرِيرِهِ، فَدَلَّ بِالْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ. وَفِي: مُحْصِنِينَ، اسْتَعَارَ لَفْظَ الْإِحْصَانِ وَهُوَ

الِامْتِنَاعُ فِي الْمَكَانِ الْحَصِينِ لِلِامْتِنَاعِ بِالْعِقَابِ، وَاسْتَعَارَ لِكَثْرَةِ الزِّنَا السَّفْحَ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ فِي الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ بِتَدَفُّقٍ وَسُرْعَةٍ، وَكَذَلِكَ: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اسْتَعَارَ لَفْظَ الْأُجُورِ لِلْمُهُورِ، وَالْأَجْرُ هُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى عَمَلٍ، فَجَعَلَ تَمْكِينَ الْمَرْأَةِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا كَأَنَّهُ عَمَلٌ تَعْمَلُهُ.

وَفِي قَوْلِهِ: (طَوْلًا) اسْتِعَارَةٌ لِلْمَهْرِ يُتَوَصَّلُ بِهِ لِلْغَرَضِ، وَالطَّوْلُ وَهُوَ الْفَضْلُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعَالِي الْأُمُورِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) اسْتَعَارَ الِاتِّبَاعَ وَالْمَيْلَ اللَّذَيْنِ هُمَا حَقِيقَةٌ فِي الْإِجْرَامِ لِمُوَافَقَةِ هَوَى النَّفْسِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْحَقِّ.

وَفِي قَوْلِهِ: (أَنْ يُخَفِّفَ) وَالتَّخْفِيفُ أَصْلُهُ مِنْ خِفَّةِ الْوَزْنِ وَثِقَلِ الْجِرْمِ، وَتَخْفِيفُ التَّكَالِيفِ رَفْعُ مَشَاقِّهَا مِنَ النَّفْسِ، وَذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي. وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: (أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) سُمِّيَ تَزْوِيجُ النِّسَاءِ أَوْ مَنْعُهُنَّ لِلْأَزْوَاجِ إِرْثًا، لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ الْإِرْثِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) جَعَلَهُ ضَعِيفًا بَاسِمِ ما يؤول إِلَيْهِ، أَوْ بِاسْمِ أَصْلِهِ. وَالطِّبَاقُ الْمَعْنَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَقَدْ فُسِّرَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ بِمَا هُوَ مَحْبُوبٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) أَيْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ: وَأُحِلَّ لَكُمْ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الطِّبَاقِ اللَّفْظِيِّ، لِأَنَّ صَدْرَ الْآيَةِ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) ثُمَّ نَسَقَ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ قَالَ: (وَأُحِلَّ لَكُمْ) فَهَذَا هُوَ الطِّبَاقُ.

وَفِي قَوْلِهِ: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) وَالْمُحْصِنُ الَّذِي يَمْنَعُ فَرْجَهُ، وَالْمُسَافِحُ الَّذِي يَبْذُلُهُ. وَالِاحْتِرَاسُ فِي قَوْلِهِ: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) احْتَرَزَ مِنَ اللَّاتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهِنَّ، وَفِي (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) احْتَرَسَ مِنَ اللَّاتِي لَيْسَتْ فِي الْحُجُورِ.

وَفِي قَوْلِهِ: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) إِذِ الْمُحْصَنَاتُ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْأَنْفُسُ الْمُحْصَنَاتُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهَا الرِّجَالُ، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (مِنَ النِّسَاءِ) .

وَالِاعْتِرَاضُ بِقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) . وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ لَا يَتِمُّ الْمَعْنَى إِلَّا بِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت