(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)
الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى مَنْ أُسْنِدَ إِلَيْهِمُ الْحُكْمُ فِي الْأَخْبَارِ الْأَرْبَعَةِ. وَفِيهِ تَغْلِيبُ الْخِطَابِ إِذْ قَدِ اجْتَمَعَ خِطَابٌ وَغَيْبَةٌ، فَالْخِطَابُ: كُنْتُمْ مَرْضَى، أَوْ عَلَى سَفَرٍ، أَوْ لَامَسْتُمُ. وَالْغَيْبَةُ قَوْلُهُ: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ) .
وَمَا أَحْسَنَ مَا جَاءَتْ هَذِهِ الْغَيْبَةُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَنَّى عَنِ الْحَاجَةِ بِالْغَائِطِ كَرِهَ إِسْنَادَ ذَلِكَ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ، فَنَزَعَ بِهِ إِلَى لَفْظِ الْغَائِبِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ) وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْمُلَاحَظَاتِ وَأَجْمَلِ الْمُخَاطَبَاتِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ وَلَمْسُ النِّسَاءِ لَا يَفْحُشُ الْخِطَابُ بِهَا جَاءَتْ عَلَى سَبِيلِ الْخِطَابِ.
وَظَاهِرُ انْتِفَاءِ الْوِجْدَانِ سَبَقَ تَطَلُّبُهُ وَعَدَمُ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الْمَرِيضِ فَجَعَلَ الْمَوْجُودَ حِسًّا فِي حَقِّهِ إِذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِعْمَالَهُ كَالْمَفْقُودِ شَرْعًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ بَاقِي الْأَرْبَعَةِ فَانْتِفَاءُ وِجْدَانِ الْمَاءِ فِي حَقِّهِمْ هُوَ على ظاهره.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ نَظَمَ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ بَيْنَ الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ، وَبَيْنَ الْمُحْدِثِينَ وَالْمُجْنِبِينَ، وَالْمَرَضُ وَالسَّفَرُ سَبَبَانِ مِنْ أَسْبَابِ الرُّخْصَةِ، وَالْحَدَثُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ، وَالْجَنَابَةُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ؟
(قُلْتُ) أَرَادَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُرَخِّصَ لِلَّذِينِ وَجَبَ عَلَيْهِمُ التَّطَهُّرُ وَهُمْ عَادِمُونَ لِلْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ وَالتُّرَابِ، فَخَصَّ أَوَّلًا مِنْ بَيْنِهِمْ مَرْضَاهُمْ وَسَفَرَهُمْ لِأَنَّهُمُ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَيَانِ الرُّخْصَةِ لَهُمْ، لِكَثْرَةِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَغَلَبَتِهِمَا عَلَى سَائِرِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلرُّخْصَةِ، ثُمَّ عَمَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّطَهُّرُ وَأَعْوَزَهُ الْمَاءُ لِخَوْفِ عَدُوٍّ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ عَدَمِ آلَةِ اسْتِقَاءٍ، أَوْ إِرْهَاقٍ فِي مَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكْثُرُ كَثْرَةَ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ انْتَهَى.
وَفِيهِ تَفْسِيرُهُ: أو لمستم النِّسَاءَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْجَنَابَةُ، فَسَّرَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَنْقُلْ غَيْرَهُ مِنَ الْمَذَاهِبِ.
وَمُلَخَّصُ مَا طُوِّلَ بِهِ: أَنَّهُ اعْتَذَرَ عَنْ تَقْدِيمِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ بِمَا ذَكَرَ. وَمَنْ يَحْمِلُ اللَّمْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّرَقِّي مِنَ الْأَقَلِّ إِلَى الْأَكْثَرِ، لِأَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ أَقَلُّ مِنْ حَالَةِ السَّفَرِ، وَحَالَةُ السَّفَرِ أَقَلُّ مِنْ حَالَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَحَالَةُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَقَلُّ مِنْ حَالَةِ لَمْسِ الْمَرْأَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حَالَةَ الصِّحَّةِ غَالِبًا أَكْثَرُ مِنْ حَالِ الْمَرَضِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْبَوَاقِي؟.