(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)
التَّحْرِيرُ: الْإِعْتَاقُ، وَالْعَتِيقُ: الْكَرِيمُ، لِأَنَّ الْكَرَمَ فِي الْأَحْرَارِ كَمَا أَنَّ اللُّؤْمَ فِي الْعَبِيدِ. وَمِنْهُ عِتَاقُ الطَّيْرِ، وَعِتَاقُ الْخَيْلِ لِكِرَامِهَا. وَحُرُّ الْوَجْهِ أَكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنْهُ، وَالرَّقَبَةُ عُبِّرَ بِهَا عَنِ النَّسَمَةِ، كَمَا عُبِّرَ عَنْهَا بِالرَّأْسِ فِي قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَمْلِكُ كَذَا رَأْسًا مِنَ الرَّقِيقِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ.
فَقِيلَ: تمحيصا وطهر الذنب الْقَاتِلِ، حَيْثُ تَرَكَ الِاحْتِيَاطَ وَالتَّحَفُّظَ حَتَّى هَلَكَ عَلَى يَدَيْهِ امْرُؤٌ مَحْقُونُ الدَّمِ.
وَقِيلَ: لَمَّا أَخْرَجَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً عَنْ جُمْلَةِ الْأَحْيَاءِ، لَزِمَهُ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسًا مِثْلَهَا فِي جُمْلَةِ الْأَحْرَارِ، لِأَنَّ إِطْلَاقَهَا مِنْ قَيْدِ الرِّقِّ حَيَاتُهَا، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرَّقِيقَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَحْرَارِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ وُجُوبَ التَّحْرِيرِ وَالدِّيَةِ عَلَى القاتل، لأنه مستقرا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا يَلْزَمُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ الْغَرَامَاتِ مِثْلَ الْكَفَّارَاتِ، إِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ.
فَأَمَّا التَّحْرِيرُ فَفِي مَالِ الْقَاتِلِ.
وَأَمَّا الدِّيَةُ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ كُلِّهَا فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ: الْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ. وَمَا جَاوَزَ الثُّلُثَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا الثُّلُثُ فَفِي مَالِ الْجَانِي، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ. وَهِيَ خِلَافُ قِيَاسِ الْأُصُولِ فِي الْغَرَامَاتِ وَالْمُتْلَفَاتِ. وَالدِّيَةُ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
نَأْسُوا بِأَمْوَالِنَا آثَارَ أَيْدِينَا
وَأَمَّا مَنِ الْعَاقِلَةِ فَقِيلَ هُمُ الْعَصَبَاتُ الْأَرْبَعَةُ: الْأَبُ، وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا، وَالِابْنُ، وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفُلَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَأَمَّا الْمُدَّةُ الَّتِي تُؤَدَّى فِيهَا الدِّيَةُ فَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَوَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ:
أَنَّهَا تَتَأَدَّى فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَفِي الدِّيَةِ وَالْعَاقِلَةِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ تَعَرَّضَ لَهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَمَعْنَى (مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أَيْ مُؤَدَّاةٌ مَدْفُوعَةٌ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ، أَيْ أَوْلِيَائِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ يَقْتَسِمُونَهَا كَالْمِيرَاثِ، لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ التَّرِكَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، يُقْضَى مِنْهَا الدَّيْنُ، وَتُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ فَهِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا)
أَيَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ وُرَّاثُهُ عَنِ الدِّيَةِ فَلَا دِيَةَ.
وَجَاءَ بِلَفْظِ التَّصَدُّقِ تَنْبِيهًا عَلَى فَضِيلَةِ الْعَفْوِ وَحَضًّا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الصَّدَقَةِ، وَاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ الْآجِلِ بِهِ دُونَ طَلَبِ الْعَرَضِ الْعَاجِلِ، وَهَذَا حُكْمُ مَنْ قُتِلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَطَأً.
وَفِي قَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّيْنِ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي الْإِبْرَاءِ خِلَافًا لِزُفَرَ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَبْرَأُ الْغَرِيمُ مِنَ الدَّيْنِ إِلَّا أَنْ يَقْبَلَ الْبَرَاءَةَ.
(فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُمْ: الْمَعْنَى إِنْ كَانَ هَذَا الْمَقْتُولُ خَطَأً رَجُلًا مُؤْمِنًا قَدْ آمَنَ وَبَقِيَ فِي قَوْمِهِ وَهُمْ كَفَرَةٌ عَدُوٌّ لَكُمْ فَلَا دِيَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَفَّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.
وَالسَّبَبُ عِنْدَهُمْ فِي نُزُولِهَا: أَنَّ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ تَمُرُّ بِقَبَائِلِ الْكَفَرَةِ، فَرُبَّمَا قُتِلَ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ، أَوْ مَنْ هَاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُقْتَلُ فِي حَمَلَاتِ الْحَرْبِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَسَقَطَتِ الدِّيَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ كَفَرَةٌ، فَلَا يُعْطَوْنَ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ. وَلِأَنَّ حُرْمَتَهُ إِذَا آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ قَلِيلَةٌ فَلَا دِيَةَ. وَإِذَا قُتِلَ مؤمنا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَقَوْمُهُ حَرْبٌ، فَفِيهِ الدِّيَةُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَالْكَفَّارَةُ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْوَجْهُ فِي سُقُوطِ الدِّيَةِ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ كُفَّارٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتْلُ خَطَأً بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ قَوْمِهِ ولم يهاجر، ولو هَاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، وَكَفَّارَتُهُ لَيْسَ إِلَّا التَّحْرِيرَ، لِأَنَّهُ إِنْ قُتِلَ بَيْنَ أَظْهُرِ قَوْمِهِ فَهُوَ مُسَلِّطٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَأَهْلُهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ، وَلَا الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَهُ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْحَالَيْنِ.
(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)
وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ خَطَأً مُؤْمِنًا مِنْ قَوْمٍ مُعَاهَدِينَ لَكُمْ، فَعَهْدُهُمْ يُوجِبُ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِدِيَةِ صَاحِبِهِمْ، وَكَفَّارَتُهُ التَّحْرِيرُ، وَأَدَاءُ الدِّيَةِ إِلَيْهِمْ.
وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذَا فِي دِيَةِ الْمُعَاهَدِ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.