فهرس الكتاب

الصفحة 2270 من 4059

(لطيفة)

وَجَاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الْجُمَلِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهَا فِي غَايَةٍ مِنَ الْفَصَاحَةِ، بَدَأَ أَوَّلًا بِاسْتِخْلَاصِ الشَّيْطَانِ نَصِيبًا مِنْهُمْ وَاصْطِفَائِهِ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ ثَانِيًا بِإِضْلَالِهِمْ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَحْصُلُ فِي عَقَائِدِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ، ثُمَّ ثالثا بتمنيهم الْأَمَانِيَّ الْكَوَاذِبَ وَالْإِطْمَاعَاتِ الْفَارِغَةَ، ثُمَّ رَابِعًا بِتَبْتِيكِ آذَانِ الْأَنْعَامِ، هُوَ حُكْمٌ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، ثُمَّ خَامِسًا بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلتَّبْتِيكِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُمْ. وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْأَمْرِ بِالتَّبْتِيكِ وَإِنْ كَانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ عُمُومِ التَّغْيِيرِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا لِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ الْعَامِّ، وَاسْتِيضَاحًا مِنْ إِبْلِيسَ طَوَاعِيَتَهُمْ فِي أَوَّلِ شَيْءٍ يُلْقِيهِ إِلَيْهِمْ، فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ قَبُولَهُمْ لَهُ. فَإِذَا قَبِلُوا ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِجَمِيعِ التَّغْيِيرَاتِ الَّتِي يُرِيدُهَا مِنْهُمْ، كَمَا يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ بِمَنْ يَقْصِدُ خِدَاعَهُ: يَأْمُرُهُ أَوَّلًا بِشَيْءٍ سَهْلٍ، فإذا رآه قد

قَبِلَ مَا أَلْقَاهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَمَرَهُ بِجَمِيعِ مَا يُرِيدُ مِنْهُ. وَإِقْسَامُ إِبْلِيسَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيَفْعَلَنَّهَا يَقْتَضِي عِلْمَ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا تَقَعُ إِمَّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) أَوْ لِكَوْنِهِ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ لكونه لما استنزل آدَمَ عَلِمَ أَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أَضْعَفُ مِنْهُ.

(وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا)

أَيْ مِنْ يُؤْثِرُ حَظَّ الشَّيْطَانِ عَلَى حَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وَكَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ إِبْلِيسُ: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا، فَذَكَرَ أَنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِنَفْسِهِ، أَخْبَرَ أَنَّهُمْ قَبِلُوا ذَلِكَ الِاتِّخَاذَ وَانْفَعَلُوا لَهُ، فَاتَّخَذُوهُ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وَالْوَلِيُّ هُنَا قَالَ مُقَاتِلٌ: بِمَعْنَى الرَّبِّ.

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: مِنَ الْمُوَالَاةِ، وَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الِاتِّخَاذِ الْخُسْرَانَ الْمُبِينَ، لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ اللَّهِ لِحَظِّ الشَّيْطَانِ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ.

وَقَوْلُهُ: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَيْدٌ لَازِمٌ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا إِلَّا إِذَا لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهَ وَلِيًّا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا وَيَتَّخِذَ اللَّهَ وَلِيًّا، لِأَنَّهُمَا طَرِيقَانِ مُتَبَايِنَانِ، لَا يَجْتَمِعَانِ هُدًى وَضَلَالَةٌ.

وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُحَذِّرَةٌ مِنَ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت