فهرس الكتاب

الصفحة 3096 من 4059

(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا)

تَرَتَّبَ عَلَى التَّجَلِّي أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا تَفَتُّتُ الْجَبَلِ وَتَفَرُّقُ أَجْزَائِهِ، وَالثَّانِي خُرُورُ مُوسَى مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ مَيِّتًا وَيُبْعِدُهُ لَفْظَةُ أَفَاقَ.

وَالتَّجَلِّي بِمَعْنَى الظُّهُورِ الْجُسْمَانِيِّ مُسْتَحِيلٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَوْمٌ لَمَّا وَقَعَ نُورُهُ عَلَيْهِ تَدَكْدَكَ

وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْمَعْنَى ظَهَرَ لِلْجَبَلِ مِنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ ما تدكدك بِهِ.

وَقِيلَ ظَهَرَ جُزْءٌ مِنَ الْعَرْشِ لِلْجَبَلِ فَتَصَرَّعَ مِنْ هَيْبَتِهِ.

وَقِيلَ: ظَهَرَ أَمْرُهُ تَعَالَى.

وَقِيلَ: تَجَلَّى لِأَهْلِ الْجَبَلِ يُرِيدُ مُوسَى وَالسَّبْعِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ نُورِ الْحُجُبِ مِثْلَ مَنْخَرِ الثَّوْرِ.

[وَقِيلَ] مَا تَجَلَّى مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ لِلْجَبَلِ إِلَّا مِثْلَ سَمِّ الْخِيَاطِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ اقْتِدَارُهُ وَتَصَدَّى لَهُ أَمْرُهُ وَإِرَادَتُهُ انْتَهَى.

وَقَالَ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُتَكَلِّمُونَ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَيَاةً وَحِسًّا وَإِدْرَاكًا يَرَى بِهِ ثُمَّ تَجَلَّى لَهُ أَيْ ظَهَرَ وَبَدَا فَانْدَكَّ الْجَبَلُ لِشِدَّةِ الْمَطْلَعِ فَلَمَّا رَأَى مُوسَى مَا بِالْجَبَلِ صُعِقَ وَهَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالظَّاهِرُ نِسْبَةُ التَّجَلِّي إِلَيْهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ غَيْرِ انْتِقَالٍ وَلَا وَصْفٍ يَدُلُّ عَلَى الْجِسْمِيَّةِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَارَ تُرَابًا.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً.

وَقِيلَ صَارَ سِتَّةَ أَجْبُلٍ ثَلَاثَةٌ بِالْمَدِينَةِ أُحُدٌ وَوَرِقَانُ وَرَضْوَى، وَثَلَاثَةٌ بِمَكَّةَ ثَوْرٌ وَثَبِيرٌ وَحِرَاءٌ، رَوَاهُ أَنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَقِيلَ ذَهَبَ أَعْلَاهُ وَبَقِيَ أَسْفَلُهُ.

وَقِيلَ صَارَ غُبَارًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ،

وَقَالَ سُفْيَانُ: رُوِيَ أَنَّهُ انْسَاحَ فِي الْأَرْضِ وَأَفْضَى إِلَى الْبَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الْأَرَضِينَ

قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: فَهُوَ يَهْوِي فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ الْجُمْهُورُ دَكًّا أَيْ مَدْكُوكًا أَوْ ذَا دَكٍّ.

وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (دَكَّاءَ) عَلَى وَزْنِ حَمْرَاءَ وَالدَّكَّاءُ النَّاقَةُ الَّتِي لَا سَنَامَ لَهَا وَالْمَعْنَى جَعَلَهُ أَرْضًا دَكَّاءَ تَشْبِيهًا بِالنَّاقَةِ الدَّكَّاءِ.

وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: ابْسُطْ يَدَكَ دَكَّاءَ أَيْ مُدَّهَا مُسْتَوِيَةً.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالدَّكَّاءُ اسْمٌ لِلرَّابِيَةِ الناشزة مِنَ الْأَرْضِ كَالدَّكَّةِ انْتَهَى.

وَهَذَا يُنَاسِبُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِجُمْلَتِهِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ أَعْلَاهُ وَبَقِيَ أَكْثَرُهُ.

وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ (دَكًّا) أَيْ قِطَعًا جُمَعُ دَكَّاءَ نَحْوُ غُزٍّ جَمْعُ غَزَّاءَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُوسَى وَالْجَبَلَ لَمْ يُطِيقَا رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ تَجَلَّى فَلِذَلِكَ انْدَكَّ الْجَبَلُ وَصَعِقَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَحَكَى عِيَاضُ بْنُ مُوسَى عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ: أَنَّ موسى اليه السَّلَامُ رَأَى اللَّهَ فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا وَأَنَّ الْجَبَلَ رَأَى رَبَّهُ فَلِذَلِكَ صَارَ دَكًّا بِإِدْرَاكِ كُلْفَةِ اللَّهِ له.

وذكر وأبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَّمَ كَلَامَهُ وَرُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ محمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ.

وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ من رؤيته ملائكة السماوات السَّبْعِ وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ وَهَيْئَاتِهِمْ وَأَعْدَادَهُمْ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

(فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ)

أَيْ مِنْ مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَوْ من سُؤَالِهَا قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ أَوْ عَنْ صَغَائِرِي حَكَاهُ الْكَرْمَانِيُّ، أَوْ قَالَ ذَاكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَاتِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَظَائِمِ وَلَيْسَتْ تَوْبَةً عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ سُبْحانَكَ أُنَزِّهُكَ عَنْ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْكَ مِنَ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ.

(فَإِنْ قُلْتَ) فَإِنْ كَانَ طَلَبُ الرُّؤْيَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ فَمِمَّ تَابَ؟

(قُلْتُ) عَنْ إِجْرَائِهِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ الْعَظِيمَةِ وَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَانْظُرْ إِلَى إِعْظَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرَ الرُّؤْيَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَكَيْفَ أَرْجَفَ الْجَبَلَ بِطَالِبِيهَا وَجَعَلَهُ دَكًّا وَكَيْفَ أَصْعَقَهُمْ وَلَمْ يُخَلِّ كَلِيمَهُ مِنْ نَفْيَانِ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي إِعْظَامِ الْأَمْرِ وَكَيْفَ سَبَّحَ رَبَّهُ مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ وَتَابَ مِنْ إِجْرَاءِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ عَلَى لِسَانِهِ وَقَالَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَعَجَّبَ مِنَ الْمُتَسَمِّينَ بِالْإِسْلَامِ بِالْمُتَسَمِّينَ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَيْفَ اتَّخَذُوا هَذِهِ الْعَظِيمَةَ مَذْهَبًا وَلَا يَغُرَّنَّكَ تَسَتُّرُهُمْ بِالْبَلْكَفَةِ فَإِنَّهُ مِنْ مَنْصُوبَاتِ أَشْيَاخِهِمْ وَالْقَوْلُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعَدْلِيَّةِ فِيهِمْ:

لِجَمَاعَةٍ سَمُّوا هَوَاهُمْ سُنَّةً ... وَجَمَاعَةٍ حُمْرٍ لَعَمْرِي مُؤْكَفَهْ

قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وَتَخَوَّفُوا ... شَنَعَ الْوَرَى فَتَسَتَّرُوا بِالْبَلْكَفَهْ

وَهُوَ تَفْسِيرٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَسَبٌّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ عَلَى وَزْنِ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَبَحْرِهِمَا أَنْشَدَنَا الْأُسْتَاذُ الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِغَرْنَاطَةَ إِجَازَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ.

قَالَ أَنْشَدَنَا الْقَاضِي الْأَدِيبُ الْعَالِمُ أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ السَّكُونِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ عَنْ أَخِيهِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مِنْ نَظْمِهِ:

شَبَّهْتَ جَهْلًا صَدْرَ أُمَّةِ أَحْمَدَ ... وَذَوِي الْبَصَائِرِ بِالْحَمِيرِ الْمُؤْكَفَهْ

وَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ شَبَّهُوا مَعْبُودَهُمْ ... وَتَخَوَّفُوا فَتَسَتَّرُوا بِالْبَلْكَفَهْ

وَرَمَيْتَهُمْ عَنْ نَبْعَةٍ سَوَّيْتَهَا ... رَمْيَ الْوَلِيدِ غَدًا يُمَزِّقُ مُصْحَفَهْ

وَجَبَ الْخَسَارُ عَلَيْكَ فَانْظُرْ مُنْصِفًا ... فِي آيَةِ الْأَعْرَافِ فَهِيَ الْمُنْصِفَهْ

أَتَرَى الْكَلِيمَ أَتَى بِجَهْلٍ مَا أَتَى ...

وَأَتَى شُيُوخُكَ مَا أَتَوْا عَنْ مَعْرِفَهْ

وَبِآيَةِ الْأَعْرَافِ وَيْكَ خُذِلْتُمُ ... فَوَقَفْتُمُ دُونَ الْمَرَاقِي الْمُزْلَفَهْ

لَوْ صَحَّ فِي الْإِسْلَامِ عَقْدُكَ لَمْ تَقُلْ ... بِالْمَذْهَبِ الْمَهْجُورِ مِنْ نَفْيِ الصِّفَهْ

إِنَّ الْوُجُوهَ إِلَيْهِ نَاظِرَةٌ بِذَا ... جَاءَ الْكِتَابُ فَقُلْتُمُ هَذَا السَّفَهْ

فالنقي مُخْتَصٌّ بِدَارٍ بَعْدَهَا ... لَكَ لَا أَبَا لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهْ

وَأَنْشَدْنَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ خَلَفٍ الْعُلَامِيُّ بِالْقَاهِرَةِ لِنَفْسِهِ:

قَالُوا يُرِيدُ وَلَا يَكُونُ مُرَادُهُ ... عَدَلُوا وَلَكِنْ عَنْ طَرِيقِ الْمَعْرِفَهْ

(وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: مِنْ مُؤْمِنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ إِنْ كَانَ الْكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الْآفَاقَ.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ بِأَنَّكَ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأَنَّكَ لَسْتَ بِمَرْئِيٍّ وَلَا مُدْرَكٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ.

وَقَالَ أَيْضًا بِعَظَمَتِكَ وَجَلَالِكَ وَأَنَّ شَيْئًا لَا يَقُومُ لِبَطْشِكَ وَبَأْسِكَ انْتَهَى.

وَتَفْسِيرُهُ الْأَوَّلُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ ذَكَرَ مُتَكَلِّمُو أَهْلِ السُّنَّةِ دَلَائِلَ عَلَى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى سَمْعِيَّةً وَعَقْلِيَّةً يُوقَفُ عَلَيْهَا وَعَلَى حُجَجِ الْخُصُومِ فِي كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت