فهرس الكتاب

الصفحة 10559 من 13362

قوله: (مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا؛ فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الآخِرَةِ) : اعلم أنَّ لابس الحرير في الدُّنيا؛ إذا لم يتُبْ منه، وكذلك شارب الخمر؛ إذا لم يتب منه، وكذلك مَنِ استعمل آنيةَ الذَّهب والفضَّة؛ إذا لم يتب مِن استعمالها، وقد روى أبو موسى الأشعريُّ: (أنَّه قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من استمع إلى صوت غناء؛ لم يُؤذَن له أن يسمع الرُّوحانِيِّين» ، قيل: وما الرُّوحانيُّون يا رسول الله؟ قال: «قرَّاء أهل الجنَّة» ) ، أخرجه التِّرْمِذيُّ مُحَمَّد بن عليٍّ الحكيم في «نوادره» ، وقد قيل: إنَّ حرمانه للخمر، ولباسه الحرير، وشربه في إناء الذَّهب والفضَّة، واستماعه للرُّوحانيِّين؛ إنَّما هو في الوقت الذي يُعذَّب فيه في النَّار، ويُسقَى من طينة الخبال، فإذا خرج من النَّار بالشفاعة أو بالرَّحمة العامَّة المُعبَّر عنها في الحديث بالقُبضَة؛ دخل الجنَّة، ولم يحرُم عليه شيء منها؛ لا خمر ولا حرير ولا غيره؛ لأنَّ حرمان الشيء من لذَّات الدُّنيا لمن في الجنَّة نوعُ عقوبة ومؤاخذةُ، والجنَّة ليست بدار عقوبة ولا مُؤاخَذة، ولكنَّ حديث أبي سعيد الآتي يردُّ هذا القول، وكما لا يشتهي منزلة مَن هو أرفع منه وليس ذلك بعقوبة؛ كذلك لا يشتهي خمر الجنَّة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة، وحديث أبي سعيد المشار إليه رواه أبو داود الطَّيالسيُّ، وفيه: (وإن دخل الجنَّة؛ لبِسه أهل الجنَّة، ولم يَلبسْهُ هو) ، قال الإمام القُرْطُبيُّ في «تذكرته» : (وهذا نصٌّ صريح، وإسناد صحيح) ، ثُمَّ قال: (وإن كان ذلك من قول الراوي على ما ذُكِر: أنَّه موقوف؛ فمثله لا يقال بالرَّأي) انتهى، والله أعلم، وفي «التُّحفة على المنهاج» لشيخنا المؤلِّف حين ذكر حديث أبي موسى مرفوعًا: ( «من لبس في الدُّنيا؛ لم يلبسه في الآخرة» مُتَّفق عليه، ثُمَّ قال: وعن أبي سعيد الخُدْريِّ قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمثله بزيادة: «وإن دخل الجنَّة؛ لَبِسَهُ أهل الجنَّة ولم يَلْبَسْهُ هو» ، رواه ابن حِبَّان والحاكم في «صحيحهما» ، وقالا: صحيح) ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت