قوله: (بابُ مَوْت النَّجَاشِيِّ) : اعلم أنَّ البُخاريَّ إنَّما ذكر موته هنا؛ لأنَّه لمَّا ذكر هجرة الحبشة _وكان النَّجاشيّ إذ ذاك ملكها_؛ ناسب أن يذكر موته هنا، وسيأتي تاريخ وفاته، وقد تَقَدَّمت في (الجنائز) ، والنَّجاشيُّ: اسم لكلِّ مَن مَلك الحبشة، وقد قدَّمتُ ذلك مع نظائره، وتَقَدَّم ضبطه، والاختلاف في اسمه، وقد أسلم في السنة السابعة من النُّبوَّة فيما يظهر لي، وقد ذكر ابن سيِّد الناس إسلامَهُ في قصة عمرو بن العاصي وعمارة بن الوليد حين بعثتهما قريش إليه من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه بإسناده، وفيه تصديقه برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّه الذي بشَّر به عيسى في الإنجيل، ثُمَّ ذكر بعد ذلك ابن سيِّد الناس بيسير جدًّا: أنَّه لمَّا كان في ربيع الأوَّل _وقيل: المحرم_ سنة سبع من الهجرة إلى المدينة؛ كتب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتابًا إلى النَّجاشيِّ يدعوه فيه إلى الإسلام _وكذا قال ابن قيِّم الجوزيَّة في «الهَدْي» _ وبعث به مع عمرو بن أميَّة الضمريِّ، فالظَّاهر مع ما سيأتي أنَّه عليه السلام لم يعلم بإسلامه حين أسلم، ولكن يُعكِّر على هذا أنَّ الموقوف الذي ذكرته على ابن مسعود فيه رجوعُ ابن مسعود
[ج 2 ص 76]
من الحبشة إلى مكَّة، والظَّاهر: أنَّ ابن مسعود لمَّا رجع، وهاجر من هاجر المرَّة الثانية؛ بعثت قريش عَمرًا وعمارة، وكانت قصَّة النَّجاشيِّ، وابن مسعود إذ ذاك بمكَّة، فحُكِيَ له ما جرى لهما مع النَّجاشيِّ وتصديقه، فذكرها هو من قِبَل نفسه، ولم يسندها لأحد، وبهذا يتَّفق الكلام.
وفي سند الموقوف على ابن مسعود حُديجُ بن معاوية، وهو مختلَف فيه، وقد استنكرت منه لفظه، فإنَّه ذكر فيه الزكاة، ولفظُه: (قال جعفر: إنَّ الله تعالى أرسل فينا رسولًا، وأمرنا ألَّا نسجد لأحد إلَّا لله عزَّ وجلَّ، وأمرنا بالصلاة والزكاة) ، فقوله: (الزكاة) فيها نكارة؛ لأنَّها إنَّما فُرضت على القول الصحيح بعد الهجرة في السنة الثانية كما قدَّمتُه في (الزكاة) ، ولم تكن فُرِضت حين هذه القصَّة _والله أعلم_ إلَّا أن تُحمَل الزكاة على غير الشرعيَّة.
وقد راجعت «سيرة مغلطاي الصغرى» ؛ فوجدته قد ذكر فيها: أنَّ النَّجاشيَّ أسلم في السنة السابعة، وتوفِّي في السنة التاسعة، وقد كتب بعض الفضلاء من الحنفيَّة ممَّن قرأها عليه تجاه (السنة السابعة) : أي: من النُّبوَّة، وتجاه (في السنة التاسعة) : أي: من الهجرة، والظَّاهر أنَّ هاتين الحاشيتين من مغلطاي، فإنَّ هذا الفاضل ما يَعرف السِّيَرَ، فالوفاة معروفة، والإسلام قد صرَّح غير واحد بأنَّه في السنة السابعة من الهجرة، والله أعلم.