(( 56 ) ) (كِتَابُ الجِهَادِ والسِّيَرِ) [1] ... إلى (بَاب: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا ... } ؛ الآية [آل عمران: 169] )
اعلم أنَّ الجهاد فرضُ كفاية في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أمَّا كونُه فرضًا؛ فبالإجماع، وأمَّا كونه فرضَ كفاية؛ فاحتُجَّ له بقوله: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... } إلى قوله: {وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95] ، ولو كان القاعدون تاركين للفرض؛ لما وعدهم اللهُ الحسنى، وقال بعض العلماء من الشَّافعيَّة: كان فرضَ عين على الأنصار دون غيرهم؛ لأنَّهم بايعوا [2] عليه [3] ، وكان شعارهم:
~…نَحْنُ الذينَ بَايَعُوا مُحَمَّدا…عَلَى الجِهَادِ مَا حَيِيْنَا أَبَدَا
وقال الماورديُّ: كان فرضَ عينٍ على المهاجرين، وكفايةً على غيرهم.
تنبيهٌ: لمَّا أذن اللهُ عزَّ وجلَّ لنبيِّه في القتال؛ كانت أوَّل آية نزلت في ذلك: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] ، ورُوِي مسندًا إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما _وهذا في «النَّسائيِّ الصَّغير» _: رُوِّيناه عنه من طريق أبي عروبة بسنده إليه [4] ، ورُوِّيناه عن ابن عائذ بسنده إلى الزُّهريِّ قال فيه: كان أوَّل آية أُنزِلت في القتال، فذكر ذلك غير أنَّه تلا إلى: {عَزِيزٌ} [الحج: 40] ، وفي «سيرة مغلطاي» : وكانت أوَّل آية نزلت في الإذن بالقتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ... } ؛ الآية، وفي «الإكليل» : {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 111] ، ذكر ذلك بعد العقبة الثانية قبل التَّنقيب عليهم وقبل الهجرة [5] ، وابن سيَّد النَّاس ذكره في أوَّل [6] (المغازي) ، والله أعلم.
قوله: (والسِّيَر) : هي جمع (سِيرة) ، و (السِّيَر) ؛ بكسر السين وفتح الياء، و (السِّيرة) : الطَّريقة، يقال: إنَّها من (سار يسير) ، وترجموه بكتاب السِّيَر؛ لأنَّ الأحكام المذكورة فيه مُتلقَّاة من سير رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزواته.