واعلم أنَّ الغنيَّ الشاكرَ قد عرَّفه النَّوَويُّ في «رياضه» : بأنَّه مَن أخذَ المال من وجوهه، وصرفه في وجوهه المأمورِ بها، انتهى، ومحلُّ الخلاف في الغنيِّ الشاكر والفقير الصابر ذكره الشيخُ تقيُّ الدين ابن دقيق العيد، فقال بعد أن ذكر بعضَ أدلَّة المَأْخَذَيْن للغنيِّ الشاكر والفقير الصابر، ثُمَّ قال: وإنَّما النظرُ إذا تساوَوا في أداء الواجب فقط، وانفرد كلُّ واحدٍ بمصلحةِ ما هو فيه، وإذا كانت المصالحُ متقابلةً؛ ففي ذلك نظرٌ يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فُسِّر بزيادة الثواب؛ فالقياس يقتضي أنَّ المصالحَ المتعدِّيةَ أفضلُ من القاصرة، وإذا كان الأفضل بمعنى: الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس؛ فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرفُ، فيترجَّح الفقر، ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفيَّة إلى ترجيح الفقيرِ الصابرِ؛ لأنَّ مدارَ الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثرُ منه مع الغنى، فكأنَّ أفضلَ بمعنى: أشرف، انتهى، ذكره في «شرح العمدة» ، ذكره في حديث: «ذهب أهل الدثور ... » ؛ الحديث في (الذِّكْرِ عقيب الصلاة) .
وأجاب أبو العَبَّاس ابن تيمية، فقال: أفضلهما: أتقاهما لله، فإن استويا في التقوى؛ استويا في الدرجة، انتهى، والله أعلم.