وأسلمَ الحارثُ صاحبُ الترجمةِ في «الفتح» ، وحَسُن إسلامُه، وأعطاه عليه الصَّلاة والسَّلام [10] يومَ حُنينٍ مئةً مِنَ الإبلِ، وكان مِنْ فُضلاء الصحابة، خرجَ هو وسهيلُ بنُ عمرٍو إلى الشام؛ ليستدركا ما فاتَهُما مِنْ سابقةِ الإسلامِ بالجهاد [11] ، فقاتَلَ الكُفَّارَ حتى قُتل باليرموك سنة خمسَ عشرةَ، أو مات بعَمواس في طاعونِها سنةَ ثمان عشرةَ.
و (عَمواس) : قريةٌ بقُربِ الرَّمْلة، يجوزُ فتحُ ميمِها وسكونِه.
قوله: (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ) : الصَّلصَلةُ؛ بفتح الصادين المهملتين: الصوتُ المتدارك الذي لا يُفهم أوَّلَ وَهْلةٍ؛ يريدُ: أنَّه صوتٌ متداركٌ يَسمعُه ولا يثبتُه أوَّلَ ما يَقرَعُ سمعَه حتَّى يفهَمَه مِن بعدُ.
قال ابن قُرقُول: ( «صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ» ؛ يعني: صوتَ الحديد إذا اضطربَ في داخل تلك الآلةِ التي تُسمَّى الجرس؛ وهو شِبْهُ النَّاقوسِ صغيرٌ) انتهى [12]
قيل: الحكمةُ في ذلك أنْ يتفرَّغَ سمعُه، ولا يبقى فيه مكانٌ لغيرِ صوتِ الملَك، ولا في قلبِه.
قوله: (فَيفْصمُ عَنِّي) : قال ابن قُرقُول:(بفتح الياء وضمِّها على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ومُسمًّى أيضًا؛ أي: يُقلع ويَنفصِل، قال الشيخ أبو الحسين: فيه سِرٌّ لطيفٌ، وإشارةٌ خفيَّةٌ إلى أنَّها بينونة مِن غير انقطاع، وأنَّ الملَك يُفارقه ليعود إليه، والفصم: القطعُ
[ج 1 ص 7]
من غير بينونةٍ، بخلافِ القَصْمِ _يعني: بالقاف_: الذي هو كسرٌ وبينونةٌ) انتهى [13]
قوله: (أَحْيَانًا) : الأحيانُ: الأوقاتُ، جمع: حِينٍ، تقعُ [14] على الكثيرِ والقليلِ [15] .
قوله: (يَتَمَثَّلَ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا) : هو جبريلُ عليه السلام، وسيأتي قريبًا الكلامُ على تمثيل الملَك رجلًا، وما قيل فيه [16] .
قوله: (وَإِنَّ جَبِينَهُ) : الجبينُ غيرُ الجبهة، وهو فوقَ الصُّدْغِ، والصُّدْغُ: ما بينَ العينِ إلى الأُذُن، وللإنسانِ جبينانِ يكتنفانِ الجبهةَ.
قوله: (لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا) : هو بالفاء، والصاد المهملة؛ أي: يسيلُ وينصبُّ، ومنه: الفَصْدُ.
وعن ابن طاهرٍ: أنَّه صحَّفَه بالقاف، وحكاهُ العسكريُّ في كتاب «التصحيف» عن بعض شيوخه، وقال: (إنْ صحَّ؛ فهو مِنْ قولهم: تقصَّدَ الشيءُ؛ إذا تكسَّر وتقطَّع) .
قوله: (عَرَقًا) : هو منصوبٌ على التمييزِ.
فائدةٌ: الوحيُ أصلُه: الإعلامُ في خفاءٍ وسُرعةٍ.
ثمَّ الوحيُ في حقِّ الأنبياءِ على ثلاثةِ أَضرُبٍ: