فهرس الكتاب
تنبيهٌ: جاء في حديث أبي قتادة رضي الله عنه يوم حُنين أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: «مَن قتل قتيلًا؛ فله سَلَبُه» ، فطلب أبو قتادة مَن يشهد له على قتيل كان قتله، فقال رجل: صدق يا رسول الله، فأَرْضِه عنِّي، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا، ها الله إذن، لا يعمد إلى أَسد من أُسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه.
واستشكل بعض النَّحْويِّين وقوع (إذن) في كلام أبي بكر رضي الله عنه من وجهين: الأول [13] : أنَّ هاء التنبيهِ في القَسَم تستلزم أن تجيء بعدها، ولم يؤتَ بها ههنا، فكان الأصلَ عندهم أن يقال: (لا، ها الله ذا) ، الثاني: أنَّ الموضع ليس موضع (إذن) ؛ لأنَّهم قالوا: إنَّما يقع ما بعد (إذن) جزاءً لشرطٍ مقدَّر، وقاعدة الشرط: أن يكون سببًا في الجزاء، وهذا هنا غير ملتئم؛ لأنَّ ما بعد (إذن) جاء جوابًا لقوله [14] : (فأَرْضِه عنِّي) ، وإرضاءُ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أبا قتادة ليس سببًا في ألَّا يعمد إلى سَلَبه، فيعطيه غيره، بل هو سبب في أن يعمد.
واسترسلوا في هذا الإشكال حتى أدَّى ذلك إلى أن جعلوا المخلص منه أن اتَّهموا [15] الرواة الأثبات بالتصحيف، فقالوا: كان [16] الأصل: (لا، ها الله ذا) ؛ باسم الإشارة، فصحَّفوه فقالوا: (لا، ها الله إذن) ، وتتابع الرواة على تصحيفه، فنقلوه مصحَّفًا، واحدًا عن واحد.
قال شيخنا أبو جعفر: فيا عجبًا من قوم يَرِدُ عليهم الحديثُ الصحيح الموثوق برواته، فيبدو لهم فيه إشكال، فيمرُّونه على ظاهره، ولا يطلبون له تأويلًا! ولو ظهر لهم إشكال في بيت شعر لم يُعرَف قائلُه؛ طلبوا له تأويلًا، وخرَّجوه على أحسن المخارج، فكان الواجب عليهم أن يكون الأمر بالعكس!!